ثم قال تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، إشارة إلى أنه لا يمكن أن يجتمع في قلب واحد إيمان وكفر، كما يتصور المنافقون، إذ يحاولون التظاهر بالإيمان، بينما قلوبهم منطوية على الكفر، فالكفر لا يجتمع مع الإيمان، كما لا يجتمع الشك مع اليقين، والشرك مع التوحيد، والانزعاج مع الطمأنينة في وقت واحد، وحالة واحدة.
وجاء كتاب الله في نفس السياق بحالتين عرفتهما الجاهلية قبل الإسلام، فدعا إلى الحد منهما وإبطال مفعولهما : الحالة الأولى هي ( الظهار ) من الزوجة، واعتبارها بمنزلة ( الأم ) والحالة الثانية هي ( تبني أولاد الغير ) واعتبارهم بمنزلة الأولاد الأصليين.
ففي حالة " الظهار " وهي الحالة الأولى، يقول الله تعالى : وما جعل أزواجكم الئي تظاهرون منهن أمهاتكم ، بمعنى أن المرأة الواحدة لا يمكن أن تكون زوجة للرجل وأما له في نفس الوقت، فهناك فرق كبير بين الوضعيتين والحالتين ماديا وأدبيا، وما جرى عليه العرب في جاهليتهم من مفارقة زوجاتهم عند غضبهم، وقطع العشرة الزوجية معهن، بمجرد قول الزوج لزوجته :( أنت علي كظهر أمي )، لم يعد له نفس الاعتبار في الإسلام، بل أصبح هذا النطق في نظر الإسلام منكرا من القول وزورا، وأصبح تحريم مساس الزوجة والاستمتاع بها بمقتضى هذا القول أمرا مؤقتا، ويمتد إلى غاية محدودة، هي القيام بالكفارة من طرف الزوج، و( كفارة الظهار ) حسب الترتيب في الدرجة الأولى : تحرير رقبة، وفي الدرجة الثانية : صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، وفي الدرجة الثالثة : إطعام ستين مسكينا، طبقا لما يأتي من الآيات في سورة المجادلة. قال جار الله الزمخشري :( فإن قلت ما معنى قولهم أنت علي كظهر أمي ؟ قلت : أرادوا أن يقولوا : أنت علي حرام كبطن أمي ؟ فكنوا عن البطن بالظهر، لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر، لأنه عمود البطن )، وكما قال تعالى هنا : وما جعل أزواجكم اللاتي تظهرون منهن أمهاتكم ، قال تعالى في سورة المجادلة الآتية ( ٢ ) : الذين يظهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا الآي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا .
وفي حالة ( التبني )، وهي الحالة الثانية، يقول الله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل( ٤ ) ، بمعنى أن تبني ولد أو بنت ليس من صلب المتبني، وإنما هو أو هي من صلب رجل آخر، معروف أو مجهول، عمل غير مشروع لا يرضى عنه الله، ولا يقبله الشرع، لأنه مجرد تزوير، وقلب للحقائق، ومن أجل ذلك سمى كتاب الله هذا الولد المتبني كالبنت المتبناة ( دعيا ) أي ولدا ليس بأصيل، والجمع ( أدعياء ) وبالرغم عن تسميته ابنا من طرف الأب الطارئ المتبني، فإن الله تعالى يرفض قبوله ابنا للمتبني، ويعتبره دخيلا في الأسرة ومتطفلا عليها. وتأكيدا لرفض بنوته وإن ادعاها المتبني قال تعالى في نفس السياق : ذلكم قولكم بأفواهكم ، أي : لا عبرة به شرعا، لأنه مخالف للواقع وكذب على الله، والله يقول الحق ، لا يرضى بسواه بديلا، وهو يهدي السبيل( ٤ ) ، فما أقره اتبعناه، وما أنكره رفضناه.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري