ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

قوله تعالى : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ .
في هذه الحرف أربع قراءات سبعية : قرأه عاصم وحده : تَظَاهَرُونَ بضم التاء وتخفيف الظاء بعدها ألف فهاء مكسورة مخفّفة، وقرأه حمزة والكسائي : تَظَاهَرُونَ بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة مخفّفة، فألف فهاء مفتوحة مخفّفة، وقرأه ابن عامر وحده كقراءة حمزة والكسائي، إلاّ أن ابن عامر يشدّد الظاء، وهما يخفّفانها. وقرأه نافع، وابن كثير وأبو عمرو : تُظْهِرُونَ بفتح التاء بعدها ظاء فهاء مفتوحتان مشدّدتان بدون ألف، فقوله تعالى : تَظَاهَرُونَ ، على قراءة عاصم مضارع ظاهر بوزن فاعل، وعلى قراءة حمزة والكسائي، فهو مضارع تظاهر بوزن تفاعل حذفت فيه إحدى التاءين على حدّ قوله في «الخلاصة » :

وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر
فالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين. وعلى قراءة ابن عامر، فهو مضارع تظاهر أيضًا، كقراءة حمزة والكسائي، إلاّ أن إحدى التاءين أدغمت في الظاء ولم تحذف، وماضيه اظاهر ك ادارَكَ ، و اثَّاقَلْتُمْ ، و ادَّارءْتُمْ ، بمعنى تدارك، الخ.
وعلى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، فهو مضارع تظهر على وزن تفعل، وأصله تتظهرون بتاءين، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء، وماضيه : اظهر، نحو : قَالُواْ اطَّيَّرْنَا وَازَّيَّنَتْ ، بمعنى : تطيّرنا، وتزينت ؛ كما قدّمنا إيضاحه في سورة «طه »، في الكلام على قوله تعالى : فَإِذَا هي تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [ الأعراف : ١١٧ ]و[ الشعراء : ٤٥ ] فعلم مما ذكرنا أن قولهم ظاهر من امرأته، وتظاهر منها، وتظهر منها كلها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها : أنت عليّ كظهر أُمّي، يعني : أنها حرام عليه، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في الجاهلية.
وقد بيَّن اللَّه جلَّ وعلا في قوله هنا : وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ، أن من قال لامرأته : أنت عليّ كظهر أُمي، لا تكون أُمًّا له بذلك، ولم يزد هنا على ذلك، ولكنه جلَّ وعلا أوضح هذا في سورة «المجادلة »، فبيَّن أن أزواجهم اللائي ظاهروا منهن لسن أُمّهاتهم، وأن أُمّهاتهم هنَّ النساء التي ولدنهم خاصة دون غيرهن، وأن قولهم : أنت عليّ كظهر أُمّي، منكر من القول وزور.
وقد بيَّن الكفارة اللازمة في ذلك عند العود، وذلك في قوله تعالى : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ*وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ المجادلة : ٢-٤ ].
فقوله تعالى في آية «الأحزاب » هذه : وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ، كقوله تعالى في سورة «المجادلة » : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ [ المجادلة : ٢ ]، وقد رأيت ما في سورة «المجادلة »، من الزيادة والإيضاح لما تضمّنته آية «الأحزاب » هذه.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : قد علمت من القرآن أن الإقدام على الظهار من الزوجة حرام حرمة شديدة ؛ كما دلَّ عليه قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً [ المجادلة : ٢ ]، فما صرّح اللَّه تعالى بأنّه منكر وزور فحرمته شديدة، كما ترى. وبيّن كونه كذبًا وزورًا، بقوله : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ [ المجادلة : ٢ ]، وقوله تعالى : مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ [ الأحزاب : ٤ ].
وأشار بقوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [ المجادلة : ٢ ]، أن من صدر منه منكر الظهار وزوره، إن تاب إلى اللَّه من ذلك توبة نصوحًا غفر له ذلك المنكر والزور وعفا عنه، فسبحانه ما أكرمه وما أحلمه.
المسألة الثانية : في بيان العود الذي رتّب اللَّه عليه الكفارة، في قوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا [ المجادلة : ٣ ]، وإزالة إشكال في الآية.
اعلم أن هذه المسألة قد بيّناها في كتابنا «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب »، وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميمًا للفائدة.
ففي «دفع إيهام الاضطراب »، ما نصّه : قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا [ المجادلة : ٣ ]، لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معًا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معًا، وقوله تعالى : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس.
اعلم أوّلاً : أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري، وحكاه ابن عبد البرّ عن بكير بن الأشجّ والفراء وفرقة من أهل الكلام، وقال به ابن شعبة : من أن معنى : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ هو عودهم إلى لفظ الظهار، فيكرّرونه مرة أخرى قول باطل، بدليل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرّر زوجها صيغة الظهار أو لا ؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال، كما تقدّم مرارًا.
والتحقيق : أن الكفارة ومنع الجماع قبلها، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار، وما زعمه بعضهم أيضًا من أن الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ثم يعودون لما قالوا ، سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضًا، لما تقرّر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب، إلا لدليل. وإليه الإشارة بقول صاحب «مراقي السعود » :
كذاك تريب لإيجاب العمل بما له الرجحان مما يحتمل
وسنذكر إن شاء اللَّه الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمّة الأربعة، رضي اللَّه عنهم وأرضاهم.
فنقول وباللَّه تعالى نستعين : معنى العود عند مالك فيه قولان، تؤوّلت المدونة على كل واحد منهما، وكلاهما مرجّح.
الأول : أنه العزم على الجماع فقط.
الثاني : أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معًا، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية.
لأن المعنى حينئذ : والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا فلا منافاة بين العزم على الجماع، أو عليه مع الإمساك، وبين الإعتاق قبل المسيس.
وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة، وهو واقع في القرآن ؛ كقوله تعالى : إِذَا قمتم إلى الصلاة [ المائدة : ٦ ]، أي : أردتم القيام إليها، وقوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ، أي : أردت قراءته فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : ٩٨ ] الآية.
ومعنى العود عند الشافعي : أن يمسكها بعد المظاهرة زمانًا يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلّق، وعليه فلا إشكال في الآية أيضًا ؛ لأن إمساكه إياها الزمن المذكور، لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح.
ومعنى العود عند أحمد : هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه. أمّا العزم، فقد بيّنا أنه لا إشكال في الآية على القول به، وأمّا على القول بأنه الجماع.
فالجواب : أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه الكفّ عن المسيس مرة أخرى حتى يكفّر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأوّل قبل التكفير ؛ لأن الآية على هذا القول، إنما بيّنت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر، وأمّا الإقدام على المسيس الأوّل، فحرمته معلومة من عموم قوله تعالى : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا [ المجادلة : ٣ ].
ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى : هو العزم على الوطء، وعليه فلا إشكال كما تقدم. وما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسيره عن مالك، من أنه حكى عنه أن العود الجماع، فهو خلاف المعروف من مذهبه، وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرّر في فروع الحنفيّة من أنه العزم على الوطء كما ذكرنا. وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمّة رحمهم اللَّه.
وقال بعض العلماء : المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، والمراد بالمسيس في قوله : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا [ المجادلة : ٣ ]، خصوص الجماع وعليه فلا إشكال، ولا يخفى عدم ظهور هذا القول.
والتحقيق : عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير، لعموم قوله : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ، وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء، قائلاً : إن المراد بالمسيس في قوله : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ، نفس الجماع لا مقدّماته، وممن قال بذلك : الحسن البصري، والثوري، وروي عن الشافعي في أحد القولين.
وقال بعض العلماء : اللام في قوله : لِمَا قَالُواْ ، بمعنى : في، أي : يعودون فيما قالوا بمعنى يرجعون فيه ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم :«الواهب العائد في هبته » الحديث، وقيل : اللام بمعنى : عن، أي : يعودون عمّا قالوا، أي : يرجعون عنه، وهو قريب مما قبله.
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم : أن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنيّة، فتلزمه الكفّارة لإباحة الوطء، ومن وطء بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير.
ويدلّ لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لما قال :«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار »، قالوا : يا رسول اللَّها قد عرفنا القاتل، بما بال المقتول ؟ قال :«إنه كان حريصًا على قتل صاحبه »، فبيّن أن العزم على الفعل عمل يؤاخذ به الإنسان.
فإن قيل : ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية، الذي قدمنا بطلانه ؛ لأن الظاهر المتبادر من قوله : لِمَا قَالُواْ ، أنه صيغة الظهار، فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى.
فالجواب : أن المعنى { لِمَا قَالُواْ

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير