[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ قيل: إِنها نزلت فيما أبداه القائل: لئن مات رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأتزوجنّ عائشة «١». قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ. قال المفسرون:
(١١٧١) لمَّا نزلت آية الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: ونحن أيضاً نُكَلِّمُهُنَّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ أي: في أن يَرَوْهُنَّ ولا يحتجبْنَ عنهم، إلى قوله تعالى: وَلا نِسائِهِنَّ قال ابن عباس: يعني نساء المؤمنين، لأن نساء اليهود والنصارى يَصِفْنَ لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلّم إِن رأينهنّ.
فان قيل: ما بال العمِّ والخال لم يُذْكَرا؟ فعنه جوابان: أحدهما: لأن المرأة تَحِلُّ لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمِّها وخالها، لأنهما ينعتانها لأبنائهما، هذا قول الشعبي وعكرمة. والثاني:
لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يُذْكَرا، قاله الزجاج.
فأما قوله تعالى: وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد الإِماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. والثاني: أنه عامّ في العبيد والإِماء. قال ابن زيد: كُنَّ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يحتجِبْن من المماليك. وقد سبق بيان هذا في سورة النور «٢».
قوله تعالى: وَاتَّقِينَ اللَّهَ أي: أن يراكنَّ غير هؤلاء إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي: لم يغب عنه شيء.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨)
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ في صلاة الله وصلاة الملائكة أقوال قد تقدّمت في هذه السّورة «٣».
قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ. قال كَعْب بن عُجْرَة:
(١١٧٢) قلنا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: «اللهمّ
صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٧٠ و ٤٧٩٧ و ٦٣٥٧ ومسلم ٤٠٦ وأبو داود ٩٧٦ و ٩٧٧ و ٩٧٨ والترمذي ٤٨٣ والنسائي ٣/ ٤٧ وابن ماجة ٩٠٤ والشافعي ١/ ٩٢ والحميدي ٧١١ و ٧١٢ وعبد الرزاق ٣١٠٥ وأحمد-
__________
(١) انظر الحديث المتقدم برقم ١١٦٩.
(٢) النور: ٣١.
(٣) الأحزاب: ٤٣.
صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على آل إِبراهيم، إِنَّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري ومسلم. ومعنى قوله قد علمنا التسليم عليك: ما يقال في التشهد: «السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته». وذهب ابن السائب إِلى أن معنى التسليم: سلِّموا لِمَا يأمركم به.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال:
(١١٧٣) أحدها: في الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين اتخذ صفيَّة بنتُ حيَيّ، قاله ابن عباس.
والثاني: نزلت في المصوِّرين، قاله عكرمة.
والثالث: في المشركين واليهود والنصارى، وصفوا الله تعالى بالولد وكذَّبوا رسوله وشجُّوا وجهه وكسروا رَباعيَته وقالوا: مجنون شاعر ساحر كذَّاب. ومعنى أذى الله: وصفه بما هو منزّه عنه «١»،
فائدة: قال العلامة ابن القيم رحمه الله في «جلاء الأفهام» ص ١١٨- ١٢٦ ما ملخصه: واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلّم على أربعة أقوال:
- فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
- أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية.
- والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
والثالث: أنهم بنو هاشم، ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك.
- قال: وهذا القول في الآل- أعني الذين تحرم عليهم الصدقة- هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار أصحاب أحمد والشافعي.
- والقول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلّم هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في «التمهيد»...
- والقول الثالث: أن آله أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، ورجحه النووي في «شرح مسلم».
- والقول الرابع: أن آله هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة.
- ثم ذكر ابن القيم رحمه الله أدلة أصحاب هذه الأقوال وعقب ذلك بقوله: والصحيح هو القول الأول، ويليه الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان اه.
- وقال النووي كما في «تفسير ابن كثير» ٣/ ٦٣٥: إذا صلّي على النبي صلى الله عليه وسلّم فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: «صلى الله عليه» فقط، ولا: «عليه السلام». وقال ابن كثير: وهذا منتزع من الآية الكريمة فالأولى أن يقال: صلى الله عليه وسلّم تسليما.
ضعيف جدا. أخرجه الطبري ٢٨٦٤١ عن ابن عباس برواية عطية العوفي، وهو واه، وعنه مجاهيل.
__________
(١) قال القرطبي رحمه الله في «تفسيره» ١٤/ ٢١١: اختلف العلماء في أذية الله بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود لعنهم الله:
وقالت اليهود يد الله مغلولة. والنصارى: المسيح ابن الله والمشركون: الملائكة بنات الله. وفي صحيح البخاري قال الله تعالى: «كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك... ».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال الله تبارك وتعالى: «يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما». وقال عكرمة: معناه بالتصوير والتعرض لفعل لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرهما. قلت: وهذا مما يقوي قول مجاهد في المنع من تصوير الشجر وغيرهما، إذ كل ذلك صفة اختراع وتشبّه بفعل الله الذي انفرد به سبحانه وتعالى. وقالت فرقة: ذلك على حذف مضاف، تقديره: يؤذون أولياء الله اه. قلت: وأخرج الطبري ٢٨٦٤٠ عن عكرمة قال: الذين يؤذون الله ورسوله هم أصحاب التصاوير.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي