ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

لما تكلم الحق سبحانه عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات خصّ هذا الإيذاء بقوله بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا.. ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] لأن هناك إيذاء مشروعا أوجبه الله للذين يخرجون على حدوده، فحدّ الزنا والقذف وشرب الخمر.. إلخ كلها فيها إيذاء للمؤمن وللمؤمنة، لكنه إيذاء مشروع لا يعاقب من قام به، كما في إيذاء الله ورسوله.
لذلك يقول تعالى في اللذين يأتيان الفاحشة : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما.. ( ١٦ ) [ النساء ].
والحق سبحانه حين شرع هذه الحدود وهذا الإيذاء، إنما شرعه ليكون عقوبة لمن يتعدّى حدود الله، وتطهيرا له من ذنبه، ثم لتكون رادعا للآخرين، فسيدنا عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.. ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] بكى فقال له جليسه : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ قال : لأنني آذيت المؤمنين والمؤمنات، قال : يا أمير المؤمنين إنك تؤذي لتعلّم ولتقوّم والله تعالى أمرنا أن نرجم، وأن نقطع، فضحك عمر وسرّ١.
بل أكثر من هذا يأمرنا الحق سبحانه في الحدود : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.. ( ٢ ) [ النور ].
لأن الرأفة في حدود الله رحمة حمقاء، ولسنا أرحم بالخلق من الخالق سبحانه، والله تعالى حين يضخم العقوبة ويؤكد عليها، إنما يريد ألا نجترئ على حدوده، وألاّ نعرّض أنفسنا لهذه العقوبات، ولك أن تسأل حين تقرأ قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة.. ( ١٧٩ ) [ البقرة ].
كيف تكون الحياة في القتل ؟ نعم، في القصاص حياة، لأنك حين تعلم أنك إن قتلت تقتل، فلن تقدم أبدا على القتل، وبذلك حمى الله القاتل والمقتول، وهل يعدّ هذا إيذاء ؟
ومعنى بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا.. ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] أي : بغير جريمة تستحق الإيذاء، وكلمة اكْتَسَبُوا.. ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] قلنا : هناك فرق بين : فعل وافتعل، فعل أي الفعل الطبيعي الذي ليس فيه مبالغة ولا تكلّف، أما افتعل ففعل فيه تكلف ومبالغة، كذلك كسب واكتسب، كسب : أن تأخذ في الشيء فوق ما أعطيت، كما لو اشتريت بخمسة وبعت بسبعة مثلا فهذا كسب، أما اكتسب ففيها زيادة وافتعال.
لذلك تجد في العرف اللغوي العام أن كسب تأتى في الخير واكتسب تأتى في الشر، مثل قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. ( ٢٨٦ ) [ البقرة ] لها ما كسبت تفيد الملكية، وعليها تفيد الدّين.
ذلك لأن الأمر الحلال يأتي طبيعيا تلقائيا، أما الحرام فيحتاج إلى محاولة وافتعال واحتياط، فحين تنظر مثلا إلى زوجتك تكون طبيعيا لا تتكلف شيئا، أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع، فإنك تتلصص لذلك وتسرق النظرات، خشية أن يطلع أحد على فعلتك، هذا هو الفرق بين الحلال والحرام.
وفي آية واحدة في كتاب الله جاء الفعل كسب في الشر، وذلك في قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار.. ( ٨١ ) [ البقرة ].
فلماذا ؟ قالوا : لأن الآية فيمن تعوّد السيئات، وأحاطت به الخطايا حتى أصبحت عادة، وسهلت عليه حتى صارت عنده كالحلال، يفعله بلا تكلّف، بل ويجاهر به ويتباهى، هذا هو المجاهر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " ٢ وفيه : " ستر الله عليه وأصبح يفضح نفسه ".
وهذا الذي يسرّ بالمعصية ويتباهى بها بلغ به الاحتراف أنه يستطيع أن يستر حركات انفعاله في الحرام، كأنها الحلال بعينه، لذلك جاء الفعل كسب هنا، وكأن السيئة أصبحت ملكة.
أذكر بمناسبة التكلف والافتعال في الحرام رجلا من بلدتنا اسمه الشيخ مصطفى، ذهب إلى السوق لشراء بقرة، وأخذ النقود في جيبه، ومن حرصه وضع يده على جبيه خوفا من اللصوص، فلما رأوا في السوق يمسك جيبه بيده عرفوا أنه ضالتهم، فكيف احتالوا ليسرقوه ؟ لطخ أحدهم كتفه بروث البهائم، ثم احتكّ بالشيخ مصطفى، حتى اتسخت ملابسه فغضب، وأخذ ينظف ملابسه من الروث، ونسى مسألة النقود التي في جيبه فسرقوه.
وكما يأتي الحرام بافتعال، كذلك يكون العقاب فيه أيضا افتعال ومبالغة تناسب افتعال الفعل، لذلك يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا : فَقَدِ احْتَمَلُوا.. ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] ولم يقل حملوا، وفرق بين حمل واحتمل، حمل تقال لما في طاقتك حمله، إنما احتمل يعني فوق الطاقة، وإن حملته تحمله بمشقة، فالجزاء هنا من جنس العمل، فكما تفاعلت وتكلفت في المعصية كذلك يكون الجزاء عليها.
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] البهتان : أن تقول في غيرك ما ليس فيه، فالبهتان كذب، أمّا الإثم : فأن ترتكب ذنبا في حقه بأن تؤذيه بصفة هي فيه بالفعل، لكنه يكره أن تصفه بها، كما تقول للأعمى مثلا : يا أعمى.
لذلك ورد في الحديث لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " ٣ أي : كذبت وافتريت عليه.
ووصف الحق سبحانه الإثم هنا بأنه مبين وَإِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٨ ) [ الأحزاب ] يعني : جليّ واضح، لأن الوضوح في الإثم إما أن يكون بأن تقر أنت به وتعترف بذنبك، وإما أن يكون بالبينة، فلو سألناك : أنت قلت لهذا الرجل يا أعمى، أتحب أن توصف أنت بصفة تكرهها ؟ لا بدّ أن تقول : لا أحب. إذن : فالإثم هنا واضح، ويكفي إقرارك به.
وينبغي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما علمنا سيدنا رسول الله، فكما أنه لا يرضيك أن يسرق الناس منك، كذلك أنت لا تسرق منهم، وكما يؤذيك الإثم كذلك يؤذيهم.

١ ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/٦٥٧) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: إياكم وأذى المؤمنين فإن الله يحوطهم ويغضب لهم، وقد زعموا أن عمر بن الخطاب قرأها ذات يوم، فأفزعه ذلك حتى ذهب إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه فدخل عليه فقال: يا أبا المنذر، إني قرأت آية من كتاب الله تعالى فوقعت مني كل موقع وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.. (٥٨) [الأحزاب] والله إني لأعاقبهم وأضربهم، فقال له: إنك لست منهم، إنما أنت معلم. وانظر تفسير القرطبي (٨/٥٥٠٩): "إنما أنت معلم ومقوم"..
٢ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠٦٩)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٩٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه"..
٣ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٨٩) كتاب البر والصلة، وكذا احمد في مسنده (٢/٢٣٠، ٣٨٤، ٣٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير