ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْجِبَالِ، وَخَلَقَ فِيهَا، وَيَسَّرَ لَهَا أَنْ تُسَبِّحَ مَعَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا سَبَّحَ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ ؛ وَكَانَ تَسْبِيحُ دَاوُد إثْرَ صَلَاتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهِيَ صَلَاةُ الْأُمَمِ قَبْلَنَا فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ التَّفْسِيرِ، ثُمَّ قَالَ : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ أَيْ رَاجِعٌ إلَيْهِ، تَرْجِعُ مَعَهُ، وَتُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ، وَتَحِنُّ إلَى صَوْتِهِ لِحُسْنِهِ، وَتُمَثِّلُ مِثْلَ عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ.
فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ لِلطَّيْرِ عِبَادَةٌ أَوْ تَكْلِيفٌ ؟ قُلْنَا : كُلٌّ لَهُ عِبَادَةٌ، وَكُلٌّ لَهُ تَسْبِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْكُلُّ مُكَلَّفٌ بِتَكْلِيفِ التَّسْخِيرِ، وَلَيْسَ بِتَكْلِيفِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ آيَةً لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَرَامَةً من تَسْخِيرِ الْكُلِّ لَهُ تَسْخِيرَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَآمَنَ الْجِنُّ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيمَانَ الِاخْتِيَارِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالُوا : إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا كُنْت أَعْلَمُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي الْقُرْآنِ حَتَّى سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ
وَالْأَصَحُّ هَاهُنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى وَالْعَصْرِ، فَأَمَّا صَلَاةُ الضُّحَى فَهِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَافِلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ فِي الْغَدَاةِ بِإِزَاءِ الْعَصْرِ فِي الْعَشِيِّ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَلَّى حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ طَالِعَةً، وَيَرْتَفِعَ كَدَرُهَا، وَتُشْرِقَ بِنُورِهَا، كَمَا لَا تُصَلَّى الْعَصْرُ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتِعْجَالًا لِأَجْلِ شُغْلِهِ، فَيَخْسَرُ عَمَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَأْتِي بِعَمَلٍ هُوَ عَلَيْهِ لَا لَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَيْسَ لِصَلَاةِ الضُّحَى تَقْدِيرٌ مُعَيَّنٌ إلَّا أَنَّهَا صَلَاةُ تَطَوُّعٍ، وَأَقَلُّ التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا رَكْعَتَانِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَكْعَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
وَفِي صَلَاةِ الضُّحَى أَحَادِيثُ أُصُولُهَا ثَلَاثَةٌ :
الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ، «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى من ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ : تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ، وَيَكْفِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ من الضُّحَى ».
الثَّانِي : حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :«مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ من صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ صَلَاةَ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ».
الثَّالِثُ : حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ ضَحَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ »، وَقَالَتْ عَائِشَةُ :«مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا ».
وَعَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ :«لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أَنْ يَجِيءَ من مَغِيبِهِ ». وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير