ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

قوله : كَمْ أَهْلَكْنَا :( كم ) مفعول، «أَهْلَكْنَا » و «مِنْ قَرْنٍ » تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ » لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل : نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب.
قوله : وَّلاَتَ حِينَ : هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل «نَادَوْا » أي استغاثوا والحال أنه لا مَهْرَبَ ولا مَنْجِى٠٠٠٣.
وقرأ العامة «لاَتَ » بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه : أحدها وهو مذهب سيبويه : أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم : رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها » وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه » كما قالوا «ثُمّهْ » ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو : لات حين، ولات أوان كقوله :
طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ. . . فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء
وقوله الآخر :
نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم. . . والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ
والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره : وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع. وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله :
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا. . . فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ
أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله :
حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت. . . وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ
فإن «هنّا » من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه : أحدها : عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. الثاني : كونه لا ينصرف. الثالث : كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن «هنا » قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى : هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون [ الأحزاب : ١١ ] وقوله :
وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ. . . فَهُناك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ
كما تقدم في سورة الأحزاب.
إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن «لات » هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و «هنا » ظرف خبر مقدم و «حنت » مبتدأ بتأويل حذف «أن » المصدرية تقديره «أَنْ حَنَّت » نحو :«تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ ». وفي هذا تكلف وبعد إلى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين. وفي الوقف عليها مذهبان : أشهرهما عند [ علماء ] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء.
والأول : مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني : مذهب المبرد.
وَأَغْرَبَ أبو عبيد فقال : الوقف على «لا » والتاء متصلة بحين فيقولون : قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال : رأيتها في الإمام كذا «وَلاَ تَحِينَ » متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ :
العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ. . . وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ
ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذكر مناقبهُ ثم قال :«اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ » يريد «الآن »والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه : إنه شاذ لا يلتفت إليه. وقيل : إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين » جاز أن يحذف ( لا ) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل : العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر :
وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر هذا الوجه ابن مالك ؛ وهو متعسف جداً. وقد يقدر إضافة «حين » إليها من غير حذف لها كقوله :
تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله :«وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ » فإِنه قد وجدت التاء من «لا » دُونَ حِينَ ؟ !
الوجه الثاني من الأوجه السابقة : أنها عاملة عمل «أن » يعني أنها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ » اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك : لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً.
الثالث : أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً لحين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله :«لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً » أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً.
وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش. وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله :
ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين للتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا.
الرابع : أن لات هذه ليست هي " لا " مرادا فيها تاء التأنيث. وإنما هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدلت منها في مواضع قالوا : النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال :
يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ. . . عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ
َ ليْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ. . .
وقرئ شاذاً :«قل أعوذُ بربِّ النّاتِ » إلى آخرها [ الناس : ١-٦ ] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات » وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص » خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ.
وقرأ عيسى بن عمر : ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قراءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد : وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ. . . وأنشد غيره : طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان. . . وقال الزمخشري : ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي : طَلَبُوا صُلْحَنَا. . . . . . . . . . . . . . . . البيت قال : فإن قلت : ما وجه الجر في أوانٍ « ؟.
قلت : شُبّه بإذْ في قَولِهِ : وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح. . . في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل : وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت : فما تقول في «حِينَ مَنَاص » والمضاف إليه قائم ؟ قلت : نزل قطع المضاف إليه من «مناص » لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين » لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى.
وخرجها أبو حيان على إضمار «من » والأصل ولات مِنْ حين مناص فحذفت «مِنْ » وبقي عملها نحو قولهم :«عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ » أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين. وفيه قول آخر : أن الجر بالإضافة مثل قوله :
ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً. . .
أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ.
وقد يتأيد بظهورها في قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ
قال : ويكون موضع ( من حين مناص ) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول : لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، ( و ) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش. وخرج الأخفش «ولات أوان » على حذف مضاف يعني أن ( ه ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجروراً على ما كان والأصل ولات حين أوان.
وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع.
قال شهاب الدين : قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ : فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله :
أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا. . . وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ :«وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ » بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج : الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكنين.
وقال أبو حيان : وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر «حين » وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكنين كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً. وقرأ عيسى أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة.
وقرأ أيضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح. وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الفضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن «حين » أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ » في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص » اسمها مبني على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل : ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذف المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال : وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه. وقد روي في تاء لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ.
( قوله ) : فَنَادَواْ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى. وقال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفرار فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم : وَلاَت حِينَ مناص. قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير فنادوا فحذف لدلالة ما بعده ( عليه ).
قال شهاب الدين : فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص » أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ : أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا » وأخر «حين » اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول : جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم تقول : جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين » ظرف لقوله : فَنَادَواْ وقال أبو حيان : وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله ) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح. قال شهاب الدين : الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين » ظرف «لِنَادَوْا » في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله :«جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَا

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية