( إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون١٠ قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ١١ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ١٢هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ١٣ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون١٤ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي ١٥ يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار١٦ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب( ( غافر : ١٠-١٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أحوال المشركين المجادلين في آيات الله - أردف ذلك بيان أنهم يوم القيامة يعترفون بذنوبهم وباستحقاقهم ما سيحل بهم من النكال والوبال، ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم.
وبعد أن هددهم أعقب ذلك بما يدل على كمال قدرته وحكمته بإظهاره للآيات وإنزاله للأرزاق، وأنه أرفع الموجودات، لأنه مستغن عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه، وأنه ينزل الوحي على من يشاء من عباده، لينذر بالعذاب يوم الحساب والجزاء.
الإيضاح :
( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين( أي قالوا ربنا خلقتنا أمواتا، وأمتنا حين انقضاء آجالنا، وأحييتنا أولا بنفخ الأرواح فينا ونحن في الأرحام، وأحييتنا بإعادة أرواحنا إلى أبداننا حين البعث نقله ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس وابن مسعود، وجعلوا ذلك نظير آية البقرة :( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم( ( البقرة : ٢٨ ).
( فاعترفنا بذنوبنا( أي فاعترفنا أننا أنكرنا البعث فكفرنا وفعلنا من الذنوب ما لا يحصى عدا، لأن من لم يخش عاقبة يتماد في غيه، ولكن حين رأينا الإماتة والإحياء قد تكررا علينا علمنا أن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء فاعترفنا بذنوبنا التي اقترفناها.
ثم طلبوا الرجوع إلى الدنيا لإصلاح ما فاتهم فقالوا :
( فهل إلى خروج من سبيل( أي فهل أنت معيدنا إلى الدنيا لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإنك قادر على ذلك.
وهذا أسلوب يستعمل في التخاطب حين اليأس، قالوه تحيرا أو تعللا عسى أن يتاح لهم الفرج.
ونحو الآية قوله :( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون( ( السجدة : ١٢ ) وقوله :( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ١٠٧ قال اخسئوا فيها ولا تكلمون( ( المؤمنون : ١٠٧-١٠٨ )
تفسير المراغي
المراغي