نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠:ويمضي الحديث في هذا الربع من كتاب الله، في وصف ما أعده الله من العقاب والعذاب لمن دعاهم الرسول إلى الإيمان، فأصروا على الكفر والضلال، ووصف ما ينالهم يوم القيامة من مقت الله وخزيه البالغ، علاوة على المقت الذي يشعرون به آنذاك من أنفسهم نحو أنفسهم، من أعماق الأعماق، وذلك قوله تعالى : إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم، إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون( ١٠ ) قالوا ربنا أمتنا اثنتين، وأحييتنا اثنتين، فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل( ١١ ) ، لكن لا سبيل لهم إلى الخروج ولا رجاء، وقوله تعالى : يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء ، وقوله تعالى : إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
ولابد من وقفة خاصة عندما حكاه كتاب الله على لسان الكافرين الذين كانوا يكذبون بالبعث والدار الآخرة، ثم لما استقروا في دار الجحيم، قالوا ربنا أمتنا اثنتين، وأحييتنا اثنتين ، فما معنى الموت مرتين، وما معنى الحياة مرتين، وما هو ترتيب الموتتين والحياتين ؟.
والجواب المأثور في هذا الصدد عن عبد لله ابن مسعود وابن عباس وجملة من مفسري السلف هو أن أحسن تفسير لهذه الآية يؤخذ من نص الآية الثانية والعشرين، الواردة في سورة البقرة، حيث قال تعالى مخاطبا للكافرين محتجا عليهم ( ٢٨ ) : كيف تكفرون بالله، وكنتم أمواتا، فأحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون ، فمعنى كنتم أمواتا ، في هذه الآية : كنتم عدما قبل أن يمن الله عليكم بنعمة الإيجاد، على حد قوله تعالى في آية أخرى ( ١ : ٧٦ ) : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، ومعنى فأحياكم : أخرجكم من العدم ونفخ فيكم روح الحياة، ومعنى : ثم يميتكم أي : يقبض أرواحكم عند حلول الأجل ومفارقة الدنيا، ومعنى ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون ، أي : يبعثكم من مرقدكم يوم القيامة للحساب في دار الجزاء، وبذلك يتضح معنى الموتتين ومعنى الحياتين، وهكذا يكون الموت الأول -على سبيل المجاز- هو العدم السابق قبل الخلق، والموت الثاني بالنسبة إليه هو قبض الروح عند مفارقة الدنيا، وهذا هو أول " موت حقيقي " بعد ممارسة الحياة، وقد نفى كتاب الله الابتلاء به في دار النعيم بعد الابتلاء به في الدنيا، فقال تعالى في سورة الدخان ( ٥٦ ) : لا يذوقون فيها الموت، إلا الموتة الأولى ، أما الحياة الأولى فهي الخلق والإيجاد بعد العدم، أو الحياة الثانية فهي الإحياء للبعث يوم القيامة، وهذا القول في تفسير الآية هو الذي اختاره ابن عطية، وصححه ابن كثير، ترجيحا لتفسير القرآن بالقرآن.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري