قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين أي : إماتتين وإحياءتين، أو : موتتين وحياتين. قال ابن عباس : كانوا أمواتاً في الأصلاب، ثم أحياهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بُد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، وهذا كقوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ. . .
[ البقرة : ٢٨ ] الآية. قال السدي : أُميتوا في الدنيا، ثم أُحْيوا في قبورهم للسؤال، ثم أُميتوا في قبورهم، ثم أُحيوا في الآخرة.
والحاصل : أنهم أجابوا : بأن الأنبياء دعوهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وكانوا يعتقدون ما يعتقده الدهرية : ألاَّ حياة بعد بالموت، فلم يلتفتوا إلى دعوتهم، وداموا على الإنكار، فلمّا رأوا الأمر عياناً، اعترفوا. ووجه مطابقة قوله : قالوا ربنا. . . الخ لما قبله : الإقرار بما كانوا منكرين له من البعث، الذي أوجب لهم المقت والعذاب ؛ طمعاً في الإرضاء له بذلك ؛ ليتخلصوا من العذاب، ولذلك قالوا : فاعترفنا بذنوبنا ، لمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّر عليهم، عَلِموا أن الله قادر على الإعادة، كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما يتبعه من جرائمهم. ومقصدهم بهذا الإقرار : التوسل بذلك إلى ما علَّقوا به أطماعهم الفارغة من الرجوع إلى الدنيا، كما صرّحوا به في قولهم : فهل إلى خُروج أي : نوع من الخروج، سريع أو بطيء، من سبيلٍ أو : لا سبيل إليه قط. وهذا كلامُ مَن غلب عليه اليأس، وإنما يقولون ذلك تحيُّراً، مع نوع استبعاد واستشعار يأس منه، ولذلك أُجيبوا بقوله : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي