واتجه خطاب الله بعد مرة أخرى إلى المؤمنين جميعا، ناهيا لهم عن الرضى بالوهن والفشل والتخاذل، وعن الميل إلى موادعة الأعداء ومسالمتهم، إن كانت تلك المواعدة والمسالمة لا خير فيهما للإسلام، ولا نفع من ورائهما للمسلمين، وذلك قوله تعالى : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم... ، قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) : " إن الصلح إنما هو إذا كان له وجه يحتاج فيه إليه، ويفيد فائدة ".
ووضح كتاب الله السر في نهي المسلمين عن التخاذل والوهن، وعن الصلح إذا لم تكن فيه فائدة محققة للإسلام، فقال تعالى : وأنتم الأعلون والله معكم ، إشارة إلى أن الدعوة الإسلامية التي يدافع المسلمون عن حريتها، ويجاهدون في سبيل استقرارها واستمرارها دعوة سامية يجب أن يكتب لها البقاء، لأنها أجلّ قدرا وأعظم مقاما، وأجدى نفعا للبشرية جمعاء، من دعوة الشرك والجاهلية التي هي دعوة سافلة منحطة يجب القضاء عليها إلى الأبد، وأنتم الأعلون . يضاف إلى ذلك أن الدعوة الإسلامية دعوة إلهية من الملأ الأعلى تسدد خطواتها إرادة الله النافذة، وحكمته البالغة، فمن نصرها وحمل لواءها كان الله معه في حركاته وسكناته : والله معكم ، ومن كان الله معه لم يقف في وجهه شيء : وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ( النساء : ٤٥ )، ثم قال تعالى : ولن يتركم أعمالكم٣٥ ، أي لن يقطع عنكم جزاء أعمالكم، بل يمنحكم الجزاء الأوفى.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري