تَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ ٢٣].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [١٤ ١٨].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [٢٤ ٣٩].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١١ ١٦]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
قَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الْآيَاتِ الْمُمَاثِلَةِ لَهُ قَرِيبًا فِي جُمْلَةِ كَلَامِنَا الطَّوِيلِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ الْآيَةَ [٤ ٨٢]، [٤٧ ٢٤].
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، لِأَنَّ النَّارَ وَجَبَتْ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ - جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [٣ ٩١].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [٢ ١٦١ - ١٦٢].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [٤ ١٨].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [٢ ٢١٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ وَشُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ إِلَى السَّلْمِ بِفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَشُعْبَةُ «إِلَى السِّلْمِ» بِكَسْرِ السِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا تَهِنُوا أَيْ لَا تَضْعُفُوا وَتَذِلُّوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [٣ ١٤٦].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ [٨ ١٨]، أَيْ مُضَعِّفٌ كَيْدَهُمْ، وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
| وَأَخْلَفَتْكَ ابْنَةُ الْبَكْرِيِّ مَا وَعَدَتْ | فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِنًا خَلِقَا |
وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ هُوَ الصَّوَابُ.
وَتَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ وَاللَّهُ مَعَكُمْ لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْغَالِبُ وَهُوَ الْقَاهِرُ الْمَنْصُورُ الْمَوْعُودُ بِالثَّوَابِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا يَضْعُفَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْكَفَّارِ وَلَا يَبْدَؤُهُمْ بِطَلَبِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [٣٧ ١٧٣]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [٤٠ ٥١]، وَقَوْلِهِ: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [٣٠ ٤٧]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [٩ ١٤].
وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَعْنَى آيَةِ الْقِتَالِ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [٤ ١٠٤] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وَعَدَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَالْغَلَبَةِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ. صفحة رقم 389
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ هُنَا: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ مَعَكُمْ أَيْ بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ وَالثَّوَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ آيَةَ الْقِتَالِ هَذِهِ لَا تَعَارُضَ بَيْنِهَا وَبَيْنَ آيَةِ الْأَنْفَالِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّ إِحْدَاهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى، بَلْ هُمَا مُحْكَمَتَانِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنَزَّلَةٌ عَلَى حَالٍ غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
فَالنَّهْيُ فِي آيَةِ الْقِتَالِ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِطَلَبِ السَّلْمِ.
وَالْأَمْرُ بِالْجُنُوحِ إِلَى السَّلْمِ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا ابْتَدَأَ الْكَفَّارُ بِطَلَبِ السَّلْمِ وَالْجُنُوحِ لَهَا، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الْآيَةَ [٨ ٦١].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَاللَّهُ مَعَكُمْ قَدْ قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [١٦ ١٢٨]، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ مِمَّا فَسَّرَهَا بِهِ ابْنُ كَثِيرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَدْعُوا إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أَيْ فِي حَالِ قُوَّتِكُمْ وَقُدْرَتِكُمْ عَلَى الْجِهَادِ، أَيْ: وَإِمَّا إِنْ كُنْتُمْ فِي ضَعْفٍ وَعَدَمِ قُوَّةٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أَيِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ:
| السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ | وَالْحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ |
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ عَدَمِ نَقْصِهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا [٤٩ ١٤]، أَيْ لَا يُنْقِصُكُمْ مِنْ ثَوَابِهَا شَيْئًا.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [٢١ ٤٧]. صفحة رقم 390
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي