ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف، فقال : فَلاَ تَهِنُواْ أي تضعفوا عن القتال، والوهن : الضعف وَتَدْعُواْ إِلَى السلم أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءً منكم، فإن ذلك لا يكون إلاّ عند الضعف. قال الزجاج : منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ( وتدّعوا ) بتشديد الدال من ادّعى القوم وتداعوا. قال قتادة : معنى الآية : لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.
واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة ؟ فقيل : إنها محكمة، وإنها ناسخة لقوله : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا [ الأنفال : ٦١ ] وقيل : منسوخة بهذه الآية. ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداءً، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، أو التخصيص، وجملة وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ في محل نصب على الحال، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها من النهي، أي وأنتم الغالبون بالسيف والحجة.
قال الكلبي : أي آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة قوله : والله مَعَكُمْ في محل نصب على الحال، أي معكم بالنصر، والمعونة عليهم وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم أي لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، يقال : وتره يتره وتراً : إذا نقصه حقه، وأصله من وترت الرجل : إذا قتلت له قريباً، أو نهبت له مالاً، ويقال فلان مأتور : إذا قتل له قتيل ولم يؤخذ بدمه. قال الجوهري : أي لن ينقصكم في أعمالكم، كما تقول دخلت البيت، وأنت تريد في البيت. قال الفراء : هو مشتق من الوتر وهو الدخل، وقيل : مشتق من الوتر وهو الفرد، فكأن المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضرّ مع لا إله إلاّ الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد : فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلاّ مقبول حتى نزلت : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها قلنا : قد هلك، حتى نزلت هذه الآية : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [ النساء : ٤٨ ] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجوناه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : يَتِرَكُمْ قال : يظلمكم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه قال : لما نزلت : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قالوا : من هؤلاء ؟ وسلمان إلى جانب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : هم الفرس، هذا وقومه. وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد تفرّد به، وفيه مقال معروف. وأخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال :«تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال :«هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»، وفي إسناده أيضاً مسلم بن خالد الزنجي. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية