ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

اللهم أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا.
اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق».
- ٢- وسائل فض المنازعات الداخلية حكم البغاة
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)
الإعراب:
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا طائِفَتانِ: مرفوع بفعل مقدر، تقديره: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، ولا يجوز أن يحذف الفعل مع كلمات الشرط العاملة إلا مع «إن» لأنها الأصل في حروف الشرط، ويثبت للأصل ما لا يثبت للفرع.

صفحة رقم 234

والقياس: اقتتلتا، كما قرأ ابن أبي عيلة، أو اقتتلا كما قرأ عبيد بن عمير، على تأويل الرهطين أو النفرين، وإنما قال: اقتتلوا في قراءة حفص حملا على المعنى دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، فكل طائفة جماعة، والطائفة أقل من الفرقة.
البلاغة:
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بينهما طباق.
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ بينهما جناس الاشتقاق.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، وأصله المؤمنون كالإخوة في التراحم.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتحضيض.
المفردات اللغوية:
طائِفَتانِ تثنية طائفة: الجماعة من الناس اقْتَتَلُوا جمع الفعل، لأن الطائفتين في معنى القوم أو الناس، أو لأن أقل الجمع اثنان. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالنصح والدعوة إلى حكم اللَّه، وامنعوهما عن القتال بالنصيحة أو بالتهديد والتعذيب بَغَتْ تعدت وتجاوزت الحد وجارت، من البغي: الظلم تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ الحق فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ أزيلوا آثار النزاع بضمان المتلفات بالإنصاف وَأَقْسِطُوا اعدلوا في كل الأمور من الإقساط: إزالة القسط وهو الجور، والقاسط: الجائر، كما في آية: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
[الجن ٧٢/ ١٥] يقال: أقسط: عدل، وقسط: أخذ حق غيره، والمقسط: العادل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين، أي يحمد فعلهم بحسن الجزاء.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين والعقيدة والإيمان الموجب للحياة الأبدية، فالأخوة في الدين أقوى وأدوم من أخوة النسب والصداقة، وهو تعليل للأمر بالإصلاح، لذا كرر الإشارة إلى الإخاء مرتبا عليه الأمر بالإصلاح، فقال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا تنازعا، وخص الاثنين بالذكر، لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق، وقرئ: إخوتكم وإخوانكم وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة حكمه والإهمال فيه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ على تقواكم.

صفحة رقم 235

سبب النزول: نزول الآية (٩) :
وَإِنْ طائِفَتانِ..: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه: «أنه قيل لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: يا نبي اللَّه، لو أتيت عبد اللَّه بن أبيّ، فانطلق إليه على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فبال الحمار فقال: إليك عني، فو اللَّه لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد اللَّه بن رواحة: واللَّه، إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد اللَّه رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل اللَّه فيهم: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..».
وقيل: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد اللَّه بن أبي بن سلول، فقال ما قال، فرد عليه عبد اللَّه بن رواحة، فتعصب لكل أصحابه، فتقاتلوا، فنزلت، فقرأها صلّى اللَّه عليه وسلّم، فاصطلحوا، وكان ابن رواحة خزرجيا، وابن أبيّ أوسيا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي قال: كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علّية له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، فبعثت المرأة إلى أهلها، فجاء قومها، وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه، فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكان بينهم معركة، فنزلت فيهم هذه الآية، فبعث إليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر اللَّه تعالى.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون إلى الحكم، فيأبوا أن يجيبوا، فأنزل اللَّه: وَإِنْ طائِفَتانِ...

صفحة رقم 236

وأخرج ابن جرير أيضا عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر:
لآخذنه عنوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعا ليحاكمه إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فأبى، فلم يزل الأمر، حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف.
والخلاصة: يمكن أن تتعدد أسباب النزول، والوقائع المذكورة متشابهة.
المناسبة:
بعد أن حذر اللَّه تعالى المؤمنين من نبأ الفاسق، أبان هنا ما يترتب على خبره من الفتنة والنزاع، وربما الاقتتال، فطلب تعالى الإصلاح بالوسائل السلمية بين المتنازعين كالنصيحة والوعظ والإرشاد والتحكيم، فإن بغت إحدى الفئتين على الأخرى، فتقاتل الباغية الظالمة. ثم علل الأمر بالصلح بوجود رباط الأخوة بين الفريقين، ثم أمر الوسطاء والأطراف المتنازعة بتقوى اللَّه وطاعة أوامره.
التفسير والبيان:
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما أي إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فيجب على ولاة الأمور الإصلاح بالنصح والدعوة إلى حكم اللَّه والإرشاد وإزالة الشبه وأسباب الخلاف.
والتعبير بإن للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يقع القتال بين المسلمين، وأنه إن وقع، فإنما هو نادر قليل. والخطاب في الآية لولاة الأمور، والأمر فيها للوجوب.
وقد استدل البخاري وغيره بهذا على أن المعصية وإن عظمت لا تخرج من

صفحة رقم 237

الإيمان، خلافا للمعتزلة والخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافر وهو في النار.
وثبت في صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي اللَّه عنه قال: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم خطب يوما، ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي اللَّه عنهما، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيّد، ولعل اللَّه تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
فكان كما قال صلّى اللَّه عليه وسلّم أصلح اللَّه تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة.
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي فإن اعتدت وتجاوزت الحد إحدى الفئتين على الأخرى، ولم تذعن لحكم اللَّه وللنصيحة، فعلى المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى حكم اللَّه وما أمر به من عدم البغي. والقتال يكون بالسلاح وبغيره، يفعل الوسيط ما يحقق المصلحة، وهي الفيئة، فإن تحقق المطلوب بما دون السلاح كان مسرفا في الزيادة، وإن تعين السلاح وسيلة فعل حتى الفيئة.
فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي رجعت الفئة الباغية عن بغيها، بعد القتال، ورضيت بأمر اللَّه وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم اللَّه، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى، حتى لا يتجدد القتال بينهما مرة أخرى.
واعدلوا أيها الوسطاء في الحكم بينهما، إن اللَّه يحب العادلين ويجازيهم أحسن الجزاء. وهذا أمر بالعدل في كل الأمور.
أخرج ابن أبي حاتم والنسائي عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما قال: إن

صفحة رقم 238

رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، بين يدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا» «١».
وأخرج مسلم والنسائي عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «المقسطون عند اللَّه تعالى يوم القيامة على منابر من نور، على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولّوا».
ثم أمر اللَّه تعالى بالإصلاح في غير حال القتال ولو في أدنى اختلاف، فقال:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي تتميما للإرشاد ذكر تعالى أن المؤمنين إخوة في الدين، ويجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، فيجب الإصلاح بين كل أخوين متنازعين، وزيادة في أمر العناية بالإصلاح بين الأخوين أمر اللَّه بالتقوى، والمعنى: فأصلحوا بينهما، وليكن رائدكم في هذا الإصلاح وفي كل أموركم تقوى اللَّه وخشيته والخوف منه، بأن تلتزموا الحق والعدل، ولا تحيفوا ولا تميلوا لأحد الأخوين، فإنهم إخوانكم، والإسلام سوّى بين الجميع، فلا تفاضل بينهم ولا فوارق، ولعلكم ترحمون بسبب التقوى وهي التزام الأوامر واجتناب النواهي.
ويلاحظ أنه قال: اتقوا اللَّه عند تخاصم رجلين، ولم يقل ذلك عند إصلاح الطائفتين، لأنه في حالة تخاصم الرجلين يخشى اتساع الخصومة، وأما في حال تخاصم الطائفتين فإن أثر الفتنة أو المفسدة عام شامل الكل.
وكلمة إِنَّمَا للحصر تفيد أنه لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين المؤمن والكافر، لأن الإسلام هو الرباط الجامع بين أتباعه، وتفيد أيضا أن أمر الإصلاح ووجوبه إنما هو عند وجود الأخوة في الإسلام، لا بين الكفار. فإن كان

(١) إسناده جيد قوي، ورجاله على شرط الصحيح.

صفحة رقم 239

الكافر ذميا أو مستأمنا وجبت إعانته وحمايته ورفع الظلم عنه، كما تجب إعانة المسلم ونصرته مطلقا إن كان خصمه حربيا.
وجاءت أحاديث كثيرة تؤيد أخوة الدين،
جاء في الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه»
وفي الصحيح أيضا: «واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»
وفي الصحيح كذلك: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر» «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضا، وشبّك بين أصابعه صلّى اللَّه عليه وسلّم».
وأخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «إن المؤمن من أهل الأديان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس».
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
١- يجب على ولاة الأمور وحكام الدول الإسلامية الإصلاح بين فئتين متقاتلتين مسلمتين، بالدعوة إلى كتاب اللَّه لهما أو عليهما، وبالنصح والإرشاد، والجمع والتوفيق بين وجهات النظر.
٢- فإن تعدّت إحدى الفئتين ولم تستجب إلى حكم اللَّه وكتابه، وتطاولت وأفسدت في الأرض، فيجب قتالها باستعمال الأخف فالأخف حتى الفيئة إلى أمر اللَّه، أي الرجوع إلى كتابه، فإن رجعت وجب حمل الفئتين على الإنصاف والعدل، فإن اللَّه يحب العادلين المحقين، ويجازيهم أحسن الجزاء.
والفئة الباغية في اصطلاح الفقهاء: فرقة خالفت الإمام بتأويل سائغ في

صفحة رقم 240

الظاهر، باطل بطلانا مطلقا بحسب الظن لا القطع. أما المرتد فتأويله باطل قطعا، فليس باغيا، وكذا الخوارج في الاعتقاد دون قتال المسلمين وهم صنف من المبتدعة يكفّرون من أتى بمعصية كبيرة، ويسبّون بعض الأئمة، ليسوا بغاة، وكذلك مانع حق الشرع للَّه أو للعباد ليس باغيا، لأنه لا تأويل له.
ولا بد أن يكون للبغاة شوكة وعدد وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفرادا يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
وأكثر العلماء على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة، لقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. وقال علي رضي اللَّه عنه: إخواننا بغوا علينا، ولكنهم يخطئون فيما يفعلون، ويذهبون إليه من التأويل، مثل الخوارج الذين خرجوا على عليّ رضي اللَّه عنه، ومثل معاوية وأتباعه كانوا بغاة للحديث المشهور أن عمارا تقتله الفئة الباغية، ومثل مانعي الزكاة في عهد أبي بكر.
٣- في قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دليل على أن المؤمن بارتكاب المعصية الكبيرة كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا وأكل مال اليتيم لا يخرج عن كونه مؤمنا، لأن الباغي جعل من إحدى الطائفتين، وسماهما تعالى مؤمنين.
٤- إن قتال الفئة الباغية لدفع الصائل. وفصل العلماء الحكم في البغاة فقالوا: إن اقتتلت فئتان على البغي منهما جميعا، أصلح بينهما، فإن لم يصطلحا وأقامتا على البغي، قوتلتا.
وإن كانت إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن ترضى بالصلح، فإن تم الصلح بينها وبين المبغي عليها، وجب عقده بالقسط والعدل. فإن أثيرت شبهة أزيلت بالحجة النيّرة والبرهان القاطع الدال على الحق. وفي الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم

صفحة رقم 241

يقاتلوا، لأنه تعالى قال: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا.. «١».
٥- في الآية دليل واضح على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى إبطال قول من منع من قتال المؤمنين، محتجا بحديث أخرجه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن مسعود:
«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ونص الآية صريح في الرد على هذا، ٦- قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوّل الصحابة، وإياها عنى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم
بقوله: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» «٢»
أي عمار بن ياسر.
٧- لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة.
٨- الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلّف قوم من الصحابة رضي اللَّه عنهم عن هذا الأمر، كسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وصوّب ذلك علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عملهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه.
٩- قوله تعالى: فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ يدل على أن من العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستمرار في البغي.
١٠- ما يبدأ به البغاة: إذا خرجت على الإمام العدل فئة خارجة باغية

(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣١٧، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٤٠١
(٢) أحكام القرآن: ٤/ ١٧٠٥

صفحة رقم 242

ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، وهو الحق الذي دعا اللَّه إليه قبل القتال، فإن أبوا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم، ولا يذفّف «١» على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم «٢» ولا أموالهم. وإذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل وهو وليّه لم يتوارثا، ولا يرث قاتل عمدا على حال. وأما الذين لهم تأويل بلا شوكة فيلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال كقطاع الطرق إذا قاتلوا.
١١- ما استهلكه البغاة: إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
١٢- أموال البغاة وأسراهم وجرحاهم: اختلف الفقهاء في أموال البغاة التي أخذت منهم أثناء قتالهم، فقال محمد بن الحسن: لا تكون أموالهم غنيمة، وإنما يستعان بسلاحهم وكراعهم (خيولهم) على حربهم، فإذا انتهت الحرب رد المال إليهم.
وروي عن أبي يوسف أن ما وجد في أيدي أهل البغي من كراع وسلاح، فهو فيء يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه.
وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ما استهلكه الخوارج من دم أو مال، ثم تابوا لم يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه ردّ إليهم.
وقال أبو حنيفة: يضمنون.
وأما أسراهم وجرحاهم فلا يقتلون.

(١) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه.
(٢) الذراري: النساء والأطفال. [.....]

صفحة رقم 243

والقول الأصح: ما فعله الصحابة في حروبهم، لم يتبعوا مدبرا، ولا ذفّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا نفسا ولا مالا، وهم القدوة في ذلك،
قال ابن عمر قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: «يا عبد اللَّه أتدري كيف حكم اللَّه فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» وأخرج الحاكم مثل ذلك عن ابن مسعود، وروي مثله عن ابن عباس.
أما ما كان قائما رد بعينه.
١٣- أقضية البغاة وأحكامهم: لو تغلب البغاة على بلد، فأخذوا الصدقات، وأقاموا الحدود، وحكموا فيهم بالأحكام، لم تثنّ عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان خلافا للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة.
وأما أقضيتهم في الخصومات، فقال أبو يوسف ومحمد: لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل البغي ولا شهادته ولا حكمه، إلا أن يوافق رأيه، فيستأنف القضاء فيه «١».
١٤- لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذا كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوا وأرادوا اللَّه عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد أمرنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بخير، لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم عن سبّهم، وأن اللَّه غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة ٢/ ١٣٤]. وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: «تلك دماء قد طهّر اللَّه منها يدي، فلا أخضّب بها لساني» أي

(١) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٤٠٣

صفحة رقم 244

تحرزا من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. وقال ابن فورك: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات، كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف.
١٥- إنما المؤمنون إخوة في الدين والحرمة، لا في النسب، ذكر القرطبي:
أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب «١».
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا «٢»، وكونوا عباد اللَّه إخوانا».
وقد سبق إيراد أحاديث كثيرة في تآخي المسلمين، فالمسلمون إخوة، وكأن الإسلام أب لهم، ينتمون إليه كما ينتمي الإخوة إلى أبيهم:

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
١٦- في آية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ والتي قبلها دليل كما تقدم على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن اللَّه تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين، قال الحارث الأعور: سئل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه- وهو القدوة- عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفّين: أمشركون هم؟
قال: لا، من الشرك فرّوا، فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون اللَّه إلا قليلا، قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.
وفي هذه الآية دليل على جواز إطلاق لفظ الإخوة بين المؤمنين من جهة
(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٢
(٢) التحسس: الاستماع لحديث القوم، والتجسس: تتبع العورات والمعايب، والتناجش: أن تزيد في ثمن سلعة ولا رغبة لك في شرائها.

صفحة رقم 245

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية