الْحَاجَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنَا فَضْلًا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَهُوَ الِابْتِغَاءُ وَالطَّلَبُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: خَتْمُ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فِيهِ مُنَاسَبَاتٌ عِدَّةٌ مِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ نَبَأَ الْفَاسِقِ، قَالَ إِنْ يَشْتَبِهْ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَذِبُ الْفَاسِقِ فَلَا تَعْتَمِدُوا عَلَى تَرْوِيجَهِ عَلَيْكُمُ الزُّورَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ، وَلَا تَقُولُوا كَمَا كَانَ عَادَةُ الْمُنَافِقِ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ، فَإِنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لَا يَفْعَلُ إِلَّا عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ وَثَانِيهَا: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ [الحجرات: ٧] بِمَعْنَى لَا يُطِيعُكُمْ، بَلْ يَتَّبِعُ الْوَحْيَ، قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ مَنْ كَوْنِهِ عَلِيمًا يُعْلِمُهُ، وَمَنْ كَوْنِهِ حَكِيمًا يَأْمُرُهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ فَاتَّبِعُوهُ ثَالِثُهَا: الْمُنَاسَبَةُ الَّتِي بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أَيْ حَبَّبَ بِعِلْمِهِ الْإِيمَانَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَاخْتَارَ لَهُ مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ رَابِعُهَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَلَمَّا كَانَ الْفَضْلُ هُوَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْخَيْرِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى هُوَ عَلِيمٌ بِمَا فِي خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَكَانَتِ النِّعْمَةُ هُوَ مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَةَ الْعَبْدِ، قَالَ هُوَ حَكِيمٌ يُنَزِّلُ الْخَيْرَ بقدر ما يشاء على وفق الحكمة.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٩]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
[قوله تَعَالَى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما] لَمَّا حَذَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّبَأِ الصَّادِرِ مِنَ الْفَاسِقِ، أَشَارَ إِلَى مَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا يَفُوتُ، فَقَالَ فَإِنِ اتَّفَقَ أَنَّكُمْ تَبْنُونَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُوقِعُ بَيْنَكُمْ، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى اقْتِتَالِ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَزِيلُوا مَا أَثْبَتَهُ ذَلِكَ الْفَاسِقُ وَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي أَيِ الظَّالِمُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ دَفْعُهُ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّ الظَّالِمَ إِنْ كَانَ هُوَ الرَّعِيَّةَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ دَفْعُهُمْ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَمِيرَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُ بِالنَّصِيحَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُثِيرَ فِتْنَةً مِثْلَ الَّتِي/ في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ إِشَارَةٌ إِلَى نُدْرَةِ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قِيلَ فَنَحْنُ نَرَى أَكْثَرَ الِاقْتِتَالِ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا نَادِرًا، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا يَنْبَغِي، وَكَذَلِكَ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: ٦] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَجِيءَ الْفَاسِقِ بِالنَّبَأِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ قَلِيلًا، مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْفَاسِقِ بِالنَّبَأِ كَثِيرٌ، وَقَوْلُ الْفَاسِقِ صَارَ عِنْدَ أُولِي الْأَمْرِ أَشَدَّ قَبُولًا مِنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الصَّالِحِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ طائِفَتانِ وَلَمْ يَقُلْ وَإِنْ فِرْقَتَانِ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ التَّقْلِيلُ، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ دُونَ الْفِرْقَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التَّوْبَةِ: ١٢٢].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ تَعَالَى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، مَعَ أَنَّ الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: ٦] تَنْبِيهًا عَلَى قُبْحِ ذَلِكَ وَتَبْعِيدًا لَهُمْ عَنْهُمْ، كَمَا يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ رَأَيْتَ أَحَدًا مِنْ غِلْمَانِي يَفْعَلُ كَذَا فَامْنَعْهُ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مَانِعًا لِلْمُخَاطَبِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالطَّرِيقِ الْحَسَنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنْتَ حَاشَاكَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، فإن فعل غيرك فامنعه، كذلك هاهنا قَالَ: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّنْبِيهِ مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنِ اقْتَتَلَ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،
مَعَ أَنَّ كَلِمَةَ (إِنْ) اتِّصَالُهَا بِالْفِعْلِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِمَا يَمْنَعُ مِنَ الْقِتَالِ، فَيَتَأَكَّدُ مَعْنَى النَّكِرَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِكَلِمَةِ (إِنْ) وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنين يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ الْقِتَالُ مِنْهُمَا، فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ فَاسْقٌ جَاءَكُمْ، أَوْ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْفُسَّاقِ جَاءَكُمْ، لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِصْغَاءِ إِلَى كَلَامِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فَاسِقًا؟ نَقُولُ الْمَجِيءُ بِالنَّبَأِ الْكَاذِبِ يُورِثُ كَوْنَ الْإِنْسَانِ فَاسِقًا، أَوْ يَزْدَادُ بِسَبَبِهِ فِسْقُهُ، فَالْمَجِيءُ بِهِ سَبَبُ الْفِسْقِ فَقَدَّمَهُ. وَأَمَّا الِاقْتِتَالُ فَلَا يَقَعُ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَوْ لَا أَوْ جَاءَكُمْ بِالنَّبَأِ فَصَارَ فَاسِقًا بِهِ، وَلَوْ قَالَ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْفُسَّاقِ جَاءَكُمْ، كَانَ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَشْهُورَ الْفِسْقِ قَبْلَ الْمَجِيءِ إِذَا جَاءَهُمْ بِالنَّبَأِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ تَعَالَى: اقْتَتَلُوا وَلَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا، لِأَنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبَالِ تُنْبِئُ عَنِ الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ تَمَادَى الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمَا فَأَصْلِحُوا، وَهَذَا لِأَنَّ صِيغَةَ الْمُسْتَقْبَلِ تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، يُقَالُ فُلَانٌ يَتَهَجَّدُ وَيَصُومُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ: اقْتَتَلُوا وَلَمْ يَقُلْ اقْتَتَلَا، وَقَالَ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمْ، ذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَ الِاقْتِتَالِ تَكُونُ الْفِتْنَةُ قَائِمَةً، وَكُلُّ أَحَدٍ بِرَأْسِهِ يَكُونُ فَاعِلًا فِعْلًا، فَقَالَ: اقْتَتَلُوا وَعِنْدَ الْعَوْدِ إِلَى الصُّلْحِ تَتَّفِقُ كَلِمَةُ كُلِّ طَائِفَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ يَتَحَقَّقُ الصُّلْحُ فَقَالَ: بَيْنَهُما لِكَوْنِ/ الطائفتين حينئذ كنفسين.
[قوله تعالى فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما إلى قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما إِشَارَةً إِلَى نَادِرَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْبَغْيُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلِمَةُ (إِنْ) مَعَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ، وَبَغْيُ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الِاقْتِتَالِ لَا بُدَّ مِنْهُ، إِذْ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مُحْسِنًا، فَقَوْلُهُ إِنْ تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، نَقُولُ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: الِاقْتِتَالُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا نَادِرَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ كَمَا تَظُنُّ كُلُّ طَائِفَةٍ أَنَّ الْأُخْرَى فِيهَا الْكُفْرُ وَالْفَسَادُ، فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ كَمَا سَبَقَ فِي اللَّيَالِي الْمُظْلِمَةِ، أَوْ يَقَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنَّ الْقِتَالَ جَائِزٌ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ خَطَأٌ، فَقَالَ تَعَالَى: الِاقْتِتَالُ لَا يَقَعُ إِلَّا كَذَا، فَإِنْ بَانَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ فَهُوَ نَادِرٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بَغَى فَقَالَ: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى يَعْنِي بَعْدَ اسْتِبَانَةِ الْأَمْرِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ فَإِنْ بَغَتْ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ النُّدْرَةَ وَقِلَّةَ الْوُقُوعِ، وَفِيهِ أَيْضًا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: قَالَ:
فَإِنْ بَغَتْ وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ تَبْغِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَتَلُوا وَلَمْ يَقُلْ يَقْتَتِلُوا الثَّانِي: قَالَ: حَتَّى تَفِيءَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقِتَالَ لَيْسَ جَزَاءً لِلْبَاغِي كَحَدِّ الشُّرْبِ الَّذِي يُقَامُ وَإِنْ تَرَكَ الشُّرْبَ، بَلِ الْقِتَالُ إِلَى حَدِّ الْفَيْئَةِ، فَإِنْ فَاءَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ حَرُمَ قِتَالُهُمْ الثَّالِثُ: هَذَا الْقِتَالُ لِدَفْعِ الصَّائِلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْفَيْئَةُ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَإِنْ حَصَلَتْ مِنَ الْأُخْرَى لَا يُوجَدُ الْبَغْيُ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَلَّ الْقِتَالُ الرَّابِعُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالْكَبِيرَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا لِأَنَّ الْبَاغِيَ جَعَلَهُ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَسَمَّاهُمَا مُؤْمِنِينَ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:
إِلى أَمْرِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا: إِلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ وَأُولِي الْأَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النِّسَاءِ: ٥٩]. وَثَانِيهَا: إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ إِلَى الصُّلْحِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ [الْأَنْفَالِ: ١]، ثَالِثُهَا: إِلَى أَمْرِ اللَّهِ بِالتَّقْوَى، فَإِنَّ مَنْ خَافَ اللَّهَ حَقَّ الْخَوْفِ لَا يَبْقَى لَهُ عَدَاوَةٌ إِلَّا مَعَ الشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فَاطِرٍ: ٦]، السَّادِسُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ذَكَرْتُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الشَّرْطِ غَيْرَ مُتَوَقَّعِ الْوُقُوعِ وَقُلْتُمْ بِأَنَّ الْقِتَالَ وَالْبَغْيَ مِنَ الْمُؤْمِنِ نادر، فإذن تكون الفئة
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي