جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ يَكُ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُ مَلِكًا نَعِشْ بِجَنَاحِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلّم فأخبرته بما قالوا، فجاؤوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه: يَا مُحَمَّدُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنِي وَجَعَلَ يَقُولُ: «لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ، لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ». وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ جَيِّدٍ- عَنْ الْحَارِثِ بْنِ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، وَتُرْسِلُ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يَبْعَثَ إِلَيْهِ احْتُبِسَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنْ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سخط مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَدَعَا سَرَوَاتِ «١» قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ الْخُلْفُ، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم الوليد ابن عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ «٢» فَرَجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي، فضرب رسول الله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقَلَّ الْبَعْثُ وَفَصَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا:
هَذَا الْحَارِثُ؟ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ، قَالَ: لَا والّذي بعث محمدا بالحقّ ما رأيته وَلَا أَتَانِي، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟» قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا رَآنِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم خشيت أن تكون سخطة من الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ إِلَى قَوْلِهِ: حَكِيمٌ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ. وَقَدْ رُوِيَتْ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَا وَإِنِ اختلفت القصص.
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٢]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
(٢). أي خاف.
قَوْلُهُ: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قَرَأَ الْجُمْهُورُ: اقْتَتَلُوا بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الطائفتين كقوله: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا «١» وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بَيْنَهُما عَائِدٌ إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: «اقْتَتَلَتَا» اعْتِبَارًا بِلَفْظِ طَائِفَتَانِ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: «اقْتَتَلَا» وَتَذْكِيرُ الْفِعْلِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِاعْتِبَارِ الْفَرِيقَيْنِ أَوِ الرَّهْطَيْنِ. وَالْبَغْيُ: التَّعَدِّي بِغَيْرِ حَقٍّ وَالِامْتِنَاعُ مِنَ الصُّلْحِ الْمُوَافِقِ لِلصَّوَابِ، وَالْفَيْءُ: الرُّجُوعُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا تَقَاتَلَ فريقان من الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْعَوْا بِالصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّعَدِّي مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَلَمْ تَقْبَلِ الصُّلْحَ، وَلَا دَخَلَتْ فِيهِ، كَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا هَذِهِ الطَّائِفَةَ الْبَاغِيَةَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ، فَإِنْ رَجَعَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ عَنْ بَغْيِهَا وَأَجَابَتِ الدَّعْوَةَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ، وَيَتَحَرَّوُا الصَّوَابَ الْمُطَابِقَ لِحُكْمِ اللَّهِ، وَيَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الطَّائِفَةِ الظَّالِمَةِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الظُّلْمِ، وَتُؤَدِّيَ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِلْأُخْرَى. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْدِلُوا فِي كُلِّ أُمُورِهِمْ بَعْدَ أَمْرِهِمْ بِهَذَا الْعَدْلِ الْخَاصِّ بِالطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ فَقَالَ: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أَيْ: وَاعْدِلُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَادِلِينَ، وَمَحَبَّتُهُ لَهُمْ تَسْتَلْزِمُ مُجَازَاتَهُمْ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضى بِمَا فِيهِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما وَطَلَبَتْ مَا لَيْسَ لَهَا، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى الصُّلْحِ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالصُّلْحِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَجُمْلَةُ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْإِيمَانُ. قَالَ الزَّجَّاجُ:
الدِّينُ يَجْمَعُهُمْ، فَهُمْ إِخْوَةٌ إِذَا كَانُوا مُتَّفِقِينَ فِي دِينِهِمْ، فَرَجَعُوا بِالِاتِّفَاقِ فِي الدِّينِ إِلَى أَصْلِ النَّسَبِ لِأَنَّهُمْ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يَعْنِي كُلَّ مُسْلِمَيْنِ تَخَاصَمَا وَتَقَاتَلَا، وَتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإِثْبَاتِ وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ فِيمَا فَوْقَهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ سيرين «إخوانكم» بالجمع، وروي عن أبي عمرو وَنَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْجَحْدَرِيِّ وَيَعْقُوبَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا: «بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ» بِالْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْجَمْعِ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: أَرَادَ بِالْأَخَوَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ لِأَنَّ لَفْظَ التَّثْنِيَةِ قَدْ يَرِدُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: أَصْلِحُوا بَيْنَ كُلِّ أَخَوَيْنِ وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي كُلِّ أُمُورِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
بِسَبَبِ التَّقْوَى، وَالتَّرَجِّي بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِينَ، أَيْ: رَاجِينَ أَنْ تُرْحَمُوا، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ إِذَا تَقَرَّرَ بَغْيُهَا عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مُسْتَدِلًّا بقوله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ:
«قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ قِتَالُ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَبْغِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبَ مِنْهُ وَلُزُومَ الْمَنَازِلِ لَمَا أُقِيمَ حَقٌّ، وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ وَلَوَجَدَ أَهْلُ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ سَبَبًا إِلَى اسْتِحْلَالِ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ، وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ بِأَنْ يَتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ، وَلِكَفِّ الْمُسْلِمِينَ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ:
«خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ». قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُمْدَةٌ فِي حَرْبِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الصَّحَابَةُ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَإِيَّاهَا عنى النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، وَقَوْلُهُ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْخَوَارِجِ: «يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ». يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ السُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزَاءُ.
وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: سَخِرْتُ بِهِ وَضَحِكْتُ بِهِ وَهَزَأْتُ بِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ، وَضَحِكْتُ مِنْهُ وَضَحِكْتُ بِهِ، وهزئت منه وهزئت بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ: وَالِاسْمُ السُّخْرِيَةُ وَالسُّخْرَى، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا «١»، وَمَعْنَى الْآيَةِ: النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَسْتَهْزِئَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَعَلَّلَ هَذَا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْخُورُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنَ السَّاخِرِينَ بِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ قَوْمٌ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ، لِأَنَّهُمُ الْقُوَّمُ عَلَى النِّسَاءِ أَفْرَدَ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ أَيْ: وَلَا يَسْخَرْ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ الْمَسْخُورُ بِهِنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ يَعْنِي خَيْرًا مِنَ السَّاخِرَاتِ مِنْهُنَّ، وَقِيلَ: أَفْرَدَ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنْهُنَّ أَكْثَرُ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ اللَّمْزُ: الْعَيْبُ، وَقَدْ مَضَى تَحْقِيقُهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ «٢» قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللَّمْزُ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْإِشَارَةِ، وَالْهَمْزُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللِّسَانِ، وَمَعْنَى: لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «٣» وقوله: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «٤» قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَلْعَنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ التَّنَابُزُ: التَّفَاعُلُ مِنَ النَّبْزِ بِالتَّسْكِينِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَالنَّبَزُ بِالتَّحْرِيكِ اللَّقَبُ، وَالْجَمْعُ أَنْبَازٌ، وَالْأَلْقَابُ جَمْعُ لَقَبٍ، وَهُوَ اسْمٌ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الْإِنْسَانُ، والمراد هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب بأن يُلَقِّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا فَاسِقُ، يَا مُنَافِقُ. أَوْ يَقُولَ لِمَنْ أَسْلَمَ: يَا يَهُودِيُّ، يَا نَصْرَانِيُّ، قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجْتَ بِهِ أَخَاكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَقَوْلِكَ يَا كَلْبُ، يَا حِمَارُ، يَا خِنْزِيرُ. قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَيَّرُ بِكُفْرِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ، فَنَزَلَتْ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أَيْ: بِئْسَ الِاسْمُ الَّذِي
(٢). التوبة: ٥٨.
(٣). النساء: ٢٩.
(٤). النور: ٦١.
يذكر بِالْفِسْقِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الْإِيمَانِ، وَالِاسْمُ هُنَا بِمَعْنَى الذِّكْرِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَيْ بِئْسَ أَنْ يُسَمَّى الرَّجُلُ كَافِرًا أَوْ زَانِيًا بَعْدَ إسلامه وتوبته. وقيل: أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالنَّبْذِ فَهُوَ فَاسِقٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ كَالْأَعْرَجِ وَالْأَحْدَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَجَوَّزَتْهُ الْأَئِمَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ اه. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لِارْتِكَابِهِمْ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَامْتِنَاعِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ لَقَّبُوهُ، وَظُلْمِهِمْ أنفسهم بما لزمها مِنَ الْإِثْمِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ الظَّنُّ هُنَا: هُوَ مُجَرَّدُ التُّهْمَةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا كَمَنْ يَتَّهِمُ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِاجْتِنَابِ الْكَثِيرِ لِيَفْحَصَ الْمُؤْمِنُ عَنْ كُلِّ ظَنٍّ يَظُنُّهُ حَتَّى يَعْلَمَ وَجْهَهُ لِأَنَّ مِنَ الظَّنِّ مَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّنِّ، كَالْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَدَلَالَةِ الْعُمُومِ، وَلَكِنَّ هَذَا الظَّنَّ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَدْ قُوِّيَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَمَلِ بِهِ فَارْتَفَعَ عَنِ الشَّكِّ وَالتُّهْمَةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ أَنْ يَظُنَّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ سُوءًا، فَأَمَّا أَهْلُ السوء والفسوق قلنا أَنْ نَظُنَّ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُمْ. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ أَنْ يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ سُوءًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ الظَّنِّ وَأَبْدَاهُ أَثِمَ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ:
أَنَّ الظَّنَّ الْقَبِيحَ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الظَّنِّ الْقَبِيحِ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْقَبِيحُ، وَجُمْلَةُ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ، وَهَذَا الْبَعْضُ هُوَ ظَنُّ السُّوءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالْإِثْمُ:
هُوَ مَا يَسْتَحِقُّهُ الظَّانُّ مِنَ الْعُقُوبَةِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِ هَذَا الظَّنِّ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ بِظَنِّ السُّوءِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «١» فَلَا يَدْخُلُ فِي الظَّنِّ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ شَيْءٌ مِنَ الظَّنِّ الْمَأْمُورِ بِاتِّبَاعِهِ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَبَّدَ عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَأَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ طَوَائِفِ الْمُبْتَدِعَةِ كِيَادًا لِلدِّينِ، وَشُذُوذًا عَنْ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جَاءَ التَّعَبُّدُ بِالظَّنِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ بَلْ فِي أَكْثَرِهَا. ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاجْتِنَابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ نَهَاهُمْ عَنِ التَّجَسُّسِ فَقَالَ: وَلا تَجَسَّسُوا التَّجَسُّسُ: الْبَحْثُ عَمَّا يَنْكَتِمُ عَنْكَ مِنْ عُيُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ، نَهَاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ الْبَحْثِ عَنْ مَعَايِبِ النَّاسِ وَمَثَالِبِهِمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ تَجَسَّسُوا بِالْجِيمِ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَابْنُ سِيرِينَ بِالْحَاءِ. قال الأخفش: ليس يبعد أحد هما مِنَ الْآخَرِ لِأَنَّ التَّجَسُّسَ بِالْجِيمِ: الْبَحْثُ عَمَّا يُكْتَمُ عَنْكَ، وَالتَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ: طَلَبُ الْأَخْبَارِ وَالْبَحْثُ عَنْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ التَّجَسُّسَ بِالْجِيمِ هُوَ الْبَحْثُ، وَمِنْهُ قِيلُ رَجُلٌ جَاسُوسٌ إِذَا كَانَ يَبْحَثُ عَنِ الْأُمُورِ، وَبِالْحَاءِ مَا أَدْرَكَهُ الْإِنْسَانُ بِبَعْضِ حَوَاسِّهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بِالْحَاءِ فِيمَا يَطْلُبُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ، وَبِالْجِيمِ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِغَيْرِهِ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ. وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيْ:
لَا يَتَنَاوَلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِظَهْرِ الْغَيْبِ بِمَا يَسُوءُهُ، وَالْغِيبِةُ: أَنْ تَذْكُرَ الرَّجُلَ بِمَا يَكْرَهُهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبِةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم، قال: ذكرك
أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، فَقِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً مَثَّلَ سُبْحَانَهُ الْغِيبِةَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَعْلَمُ بِأَكْلِ لَحْمِهِ، كَمَا أَنَّ الْحَيَّ لَا يَعْلَمُ بِغِيبَةِ مَنِ اغْتَابَهُ. ذَكَرَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاجُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عِرْضَ الْإِنْسَانِ كَلَحْمِهِ، وَأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِهِ يَحْرُمُ الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِهِ «١»، وَفِي هَذَا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الْغِيبَةِ وَالتَّوْبِيخِ لها وَالتَّوْبِيخِ لِفَاعِلِهَا وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ مَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ لَحْمَ الْإِنْسَانِ مِمَّا تَنْفِرُ عَنْ أَكْلِهِ الطِّبَاعُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَتَسْتَكْرِهُهُ الْجِبِلَّةُ الْبَشَرِيَّةُ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا شَرْعًا فَكَرِهْتُمُوهُ قَالَ الْفَرَّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلَا تَفْعَلُوا، وَالْمَعْنَى: فَكَمَا كَرِهْتُمْ هَذَا فَاجْتَنِبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غَائِبًا. قَالَ الرَّازِيُّ: الْفَاءُ فِي تَقْدِيرِ جَوَابِ كَلَامٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ فكرهتموه إذا. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:
عُرِضَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ بِتَرْكِ مَا أَمَرَكُمْ بِاجْتِنَابِهِ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ لمن اتقاه وتاب عَمَّا فَرَطَ مِنْهُ مِنَ الذَّنْبِ وَمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغير هما عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ «٢»، فَلَمَّا انْطَلَقَ إِلَيْهِ قَالَ: إليك عني، فو الله لَقَدْ آذَانِي رِيحُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ «٣» وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الْآيَةَ». وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِنْ شَيْءٍ مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، إِنِّي لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَنِي اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَيُنْصِفَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا أَجَابُوا حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ كِتَابِ اللَّهِ حَتَّى يُنْصِفَ الْمَظْلُومَ، فَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبَ فَهُوَ بَاغٍ، وَحَقَّ عَلَى إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَيُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الْآيَةَ. قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بِالنِّعَالِ وَالْعِصِيِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَغِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلٍ فِي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ بني تميم استهزءوا مِنْ بِلَالٍ وَسَلْمَانَ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ وَصُهَيْبٍ وَابْنِ فُهَيْرَةَ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ
(٢). «أرض سبخة» : أي لا تنبت.
(٣). «الجريد» : سعف النخل، أي أغصانه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني