* قوله تعالى : هذيا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما :
٥٤١- " أو " للتخيير. ( تنقيح الفصول.. المطبوع مع الذخيرة : ١/٧٤ )
٥٤٢- لتحريم قتل الصيد سببان : الإحرام والحرم.
السبب الأول : الإحرام لقوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم... الآية. والحرم جمع محرم، والمحرم من دخل في الحرم وفي الحرمات، قولنا : أصبح وأمسى وأنجد وأتهم : إذا دخل في الصباح أو المساء أو نجد أو تهامة، فتتناول الآية السببين، ومنه قوله الشاعر :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما***فدعا فلم أر مثله مظلوما
أي : في حرم المدينة وفي الشهر الحرام، وهو ذو الحجة.
وترتيب الحكم على الوصف يدل على غلبة ذلك الوصف لذلك الحكم، فيكون الإحرام والحرم سببين. ( الذخيرة : ٣/٣١٣- ٣١٤ )
٥٤٣- إن جعلنا جزاء الصيد من باب الكفارات لظاهر قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين وهو المشهور، فنجيب عن نفي الإثم بما تقدم(١)، وعن مفهوم قوله تعالى : ومن قتله منكم متعمدا فإنه خرج مخرج الغالب على الصيد، إنما يقتل مع الصيد.
وإن جعلناه من باب قيم المتلفات، وهو أحد الأقوال لنا وللعلماء، سوينا بين العمد والخطإ بالقاعدة الإجماعية(٢).
وقال مجاهد : " الجزاء في الخطإ دون العمد، لأن معنى الآية عنده : " ومن قتله منكم متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه "، وقوله تعالى : ومن عاد فينتقم الله منه فلو كان ذاكرا للإحرام لوجبت العقوبة بدون العود، مفهومه : إذا قصد مع ذكره للإحرام لا شيء عليه " لا شيء عليه(٣).
وجوابه : أن المراد بالعود، أي في الإسلام بعد ما تقدم في الكفر. ( الذخيرة : ٣/٣٢٣- ٣٢٤ )
* قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم... :
٥٤٤- إن المراد بالمثل في الصفة دون المالية والمقدار، ألا ترى أن النعامة يحكم فيها ببدنة، وهي بعيدة جدا من ماليتها ومقدارها. ( نفسه : ٨/٢٨٧ )
* قوله تعالى : في جزاء الصيد : يحكم به ذوا عدل منكم :
٥٤٥- اختلف العلماء فيها(٤) : فقال الشافعي رضي الله عنه : لا يتصور الحكم فيما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فإن الحكم لابد فيه من الاجتهاد، ولا اجتهاد في مواقع الإجماع لأنه سعي في تخطئة المجمعين فيكون العام مخصوصا بصور الإجماع(٥).
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : النص باق على عمومه غير أن الواجب في الصيد إنما هو القيمة(٦) على طريق الفاصل الشاهد، ويدل على ذلك أمور :
أحدها : قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم فجعل الجزاء للمثل لا للصيد نفسه، فالنعم واجبة في المثل الذي هو القيمة لا للصيد نفسه.
ثانيها : أنه لو حمل الجزاء على الصيد نفسه لزم التخصيص وعلى ما ذكرنا لا يلزم التخصيص، وذلك لأن قوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم عام في جميع أنواع الصيد، فلو حمل الجزاء على الصيد خرج منه ما لا مثل له من النعم كالعصافير والنمل وغيرها، وإذا قلنا بالقيمة وجب في جميع ذلك القيمة، فلا تخصيص، فهو أولى فيجب المصير إليه.
ثالثها : أن الله تعالى اشترط الحكمين وذلك إنما يتأتى إذا قلنا بالقيمة فإنه لا يلزم من إجماع الصحابة رضوان الله عنهم على تقويم صيد أن لا نقومه نحن بعد ذلك، فإن أفراد النوع الواحد تختلف قيمتها، ولا يغني تقويم عنن تقويم فيبقى العموم على عمومه في الصحابة ومن بعدهم. وأما لو جعلنا في الصيد الجزاء مع أنهم قد أجمعوا على أن في الضبع شاة، وفي البقرة الوحشية بقرة، وفي النعامة بدنة وغير ذلك من الصور التي يفرض حصول الإجماع فيها، فإن ذلك يتعين ولا يبقى للحكم منا والاجتهاد بعد ذلك معنى البتة إلا في الصور التي لم يقع فيها إجماع كالفيل وغيره من أفراد الصيد، فيلزم التخصيص، وهو على خلاف الأصل.
رابعها : أنه متلف من المتلفات فتجب فيه القيمة كسائر المتلفات.
وقال مالك رحمه الله : الواجب في الصيد مثله من النعم بطريق الأصالة، ثم يقوم الصيد، ويقع التخيير بين المثل والإطعام والصور كما تقرر في كتب الفقه، وهذا هو الصحيح.
والجواب عما قاله الشافعي رضي الله عنه : ما تقرر من الفرق بين الفتوى والحكم وبين المفتي والحاكم من أن الحكم إنشاء لنفس ذلك الإلزام إن كان الحكم فيه أو لنفس تلك الإباحة والإطلاق إن كان الحكم فيها كحكم الحاكم بأن الموات إذا بطل إحياؤه صار مباحا لجميع الناس، والفتوى بذلك إخبار صرف عن صاحب الشرع وإن الحاكم ملزم والمفتي مخبر وإن نسبتهما لصاحب الشرع كنسبة نائب الحاكم والمترجم عنه، فنائبه ينشئ أحكاما لم تتقرر عند مستنيبه، بل ينشئها على قواعده كما ينشئها الأصل، ولا يحسن من مستنيبه أن يصدقه فيما حكم به، ولا يكذبه بل يخطئه أو يصوبه باعتبار المدرك الذي اعتمده، والمترجم يخبر عما قاله الحاكم لمن لا يعرف كلام الحاكم لعجمة أو لغير ذلك من موانع الفهم، فللحاكم أن يصدقه إن صدق ويكذبه إن كذب، وهذا المترجم لا ينشئ حكما بل يخبر عن الحاكم فقط(٧). وقد وضعت في هذا الفرق كتاب سميته ب " الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام(٨) وتصرف القاضي والإمام "، وفيه أربعون مسألة تتعلق بتحقيق هذا الفرق وهو كتاب نفيس.
إذا تقرر معنى الحكم، فالحكمان في زماننا ينشئان الإلزام على قاتل الصيد، فإن كانت الصورة مجمعا عليها كان الإجماع مدركا، ومع ذلك فهم منشئون. وإن لم يكن فيها إجماع فهو أظهر، ويعتمدون على النصوص والأقيسة فلا حاجة إلى التخصيص، بل يبقى النص على عمومه، والحكم في زماننا عام في الجميع.
والجواب عما قاله أبو حنيفة : أن الآية قرئت " فجزاء " – بالتنوين-(٩)، فيكون الجزاء للصيد و مثل ما قتل من النعم نعت له، ويكون الواجب هو المثل من النعم.
والقراءتان منزلتان في كتاب الله تعالى. غير أن قراءة التنوين صريحة فيما ذكرناه. وقراءة الإضافة(١٠) محتملة لما ذكرناه ولما ذكرتموه، فيجب حملها على ما ذكرناه جمعا بين القراءتين، وهو أولى من التعارض.
وعن الثاني : أن الضمير في قوله تعالى : ومن قتله يحمل على الخصوص، ويبقى الظاهر على عمومه من غير تخصيص كما في قوله تعالى : إلا أن يعفون (١١) خاص بالرشيدات والمطلقات على عمومه من غير تخصيص. وكذلك قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن (١٢) خاص بالرجعيات مع بقاء المطلقات على عمومه.
وعن الثالث : ما تقدم من أن الحكمين ينشئان الإلزام وأنه لا ينافي حكم الصحابة رضوان الله عليهم، ولولا ذلك لكان حكم الصحابة رضي الله عنهم ردا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه السلام حكم في الضبع بشاة، وقد حكم فيها الصحابة أيضا، فلولا ما ذكرناه لامتنع حكمهم.
وعن الرابع : أن جزاء الصيد ليس من باب الجوابر بل من باب الكفارات لقوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين فسماه كفارة، فبطل القياس.
إذا تقررت المذاهب والمدارك وأجوبتها وتعين فيها الحق، وأنه إنشاء في الجميع كانت هذه المسألة من مسائل الإنشاء، فتفطن لها، فهي مشكلة جدا، ومن لم يحط علما بحقيقة حكم الحاكم ويعلم الفرق بينه وبين المفتي علما واضحا أشكلت عليه هذه المسألة وتعذر عليه الجواب عن إجماع الصحابة، وكيف يجمع بين الإجماع السابق والحكم اللاحق. ( الفروق : ١/٥٠-٥١. والذخيرة : ٣/٣٢٩ إلى ٣٣١ )
* وقوله تعالى : حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما :
٥٤٦- إن الصيد مصدر اسم فعل، تقول : صاد يصيد صيدا، واصطاد يصطاد اصطيادا، المعنى واحد، فيكون الحرام هو فعل الاصطياد، لأن الأصل في الكلام الحقيقة. ( الذخيرة : ٣/٣٢٦ )
٢ - قال ابن كثير في تفسيره: ٢/١٥٩: "والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه"..
٣ - قال مجاهد بن جبر: "المراد بالتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه، فلذلك أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه"، ن: تفسير ابن كثير: ٢/١٥٩. والدر المنثور: ٢/٥٧٧-٥٧٨..
٤ - أي الاختلاف في كيفية الجمع بين الإجماع السابق والحكم اللاحق..
٥ - ن: بداية المجتهد: ٣/٣٦١..
٦ - نفسه: ٣/٣٦١..
٧ - ن: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: للقرافي: ٤٣-٤٤..
٨ - الكتاب المطبوع، وقد حققه الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، تحت عنوان: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" ط: الأولى بجلب سنة ١٩٦٧ ط: الثانية ببيروت ١٩٩٥..
٩ - قال مكي: "قرأه الكوفيون... وحجة من نوّن أنه لما كان "مثل" في المعنى صفة ل "جزاء" ترك إضافة الموصوف إلى صفته وأجراه على بابه فرفع "جزء" بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: "فعليه جزاء"... "ن- الكشف عن وجوه القراءات: ١/٤١٨"..
١٠ - قال مكي: "حجة من أضاف: أن العرب تستعمل في إرادة الشيء مثله، يقولون: "إني أكرم مثلك"، أي: أكرمك". نفسه: ١/٤١٨..
١١ - سورة البقرة: ٢٣٥..
١٢ - سورة البقرة: ٢٢٦..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي