ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

قوله : لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام، وفي معناه غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم، لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام والجمع حرم، وأحرم الرجل : دخل في الحرم. قوله : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمّداً المتعمد : هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطئ : هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي : هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وقد استدل ابن عباس، وأحمد في رواية، وداود عنه باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده. وبه قال سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو ثور. وقيل : إنها تلزم الكفارة المخطئ والناسي كما تلزم المتعمد، وجعلوا قيد التعمد خارجاً مخرج الغالب، روي عن عمر، والحسن، والنخعي، والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي عن ابن عباس. وقيل : إنه يجب التكفير على العامد الناسي لإحرامه، وبه قال مجاهد، قال : فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حلّ، ولا حج له، لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها.
قوله : فَجَزَاء مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم أي فعليه جزاء مماثل لما قتله، و من النعم بيان للجزاء المماثل. قيل : المراد المماثلة في القيمة، وقيل : في الخلقة. وقد ذهب إلى الأوّل : أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني : مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق لأن البيان للمماثل بالنعم يفيد ذلك، وكذلك يفيده هدياً بالغ الكعبة. وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير. وقرئ «فَجَزَاؤُهُ مثْلُ مَا قَتَلَ » وقرئ «فَجَزَاء مثْلُ » على إضافة جزاء إلى مثل، وقرئ بنصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل، وقرأ الحسن «النعم » بسكون العين تخفيفاً. يَحْكُمُ بِهِ أي بالجزاء أو بمثل ما قتل ذَوَا عَدْلٍ منْكُمْ أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشيء لزم، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما، ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين وقيل يجوز، وبالأوّل قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه : وظاهر الآية يقتضي حكمين غير الجاني.
قوله : هَدْياً بالغ الكعبة نصب هدياً على الحال، أو البدل من مثل، و بالغ الكعبة صفة لهدياً ؛ لأن الإضافة غير حقيقية، والمعنى : أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك، والإشعار والتقليد، ولم يرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. قوله : أَوْ كَفَارَة معطوف على محل من النعم : وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، و طَعَامُ مساكين عطف بيان لكفارة، أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف أَو عَدْلُ ذلك معطوف على طعام. وقيل هو معطوف على جزاء، وفيه ضعف، فالجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة، وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، و صِيَاماً منصوب على التمييز، وقد قرّر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وقد ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة جمهور العلماء. وروي عن ابن عباس أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي. والعدل بفتح العين وكسرها لغتان، وهما الميل قاله الكسائي. وقال الفراء : عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، وبمثل قول الكسائي قال البصريون.
قوله : ليَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عليه لإيجاب الجزاء : أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره، والذوق مستعار لإدراك المشقة، ومثله : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم والوبال : سوء العاقبة، والمرعى الوبيل : الذي يتأذى به بعد أكله، وطعام وبيل : إذا كان ثقيلاً. قوله : عَفَا الله عَمَّا سَلَف يعني في جاهليتكم من قتلكم للصيد. وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة وَمَنْ عَادَ إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ خبر مبتدأ محذوف ؛ أي فهو ينتقم الله منه.
وقيل المعنى : إن الله ينتقم منه في الآخرة فيعذبه بذنبه. وقيل : ينتقم منه بالكفارة. قال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أوّل مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له : اذهب ينتقم الله منك : أي ذنبك أعظم من أن يكفر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحكم، أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد. وأخرجا نحوه عن عطاء. وقد روي نحو هذا عن جماعات من السلف، من غير فرق بين العامد والخاطىء والناسي، وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد.
وللسلف في تقدير الجزاء المماثل، وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في بيضة النعام :" صيام يوم أو إطعام مسكين " وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج أيضاً عن عائشة، عنه صلى الله عليه وسلم نحوه. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، من طريق أبي المهزّم عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :" في بيض النعام ثمنه " وقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم من حيوانات الحرم الخمس الفواسق، كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمحرم أن يقتلها ولا شيء عليه.
وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ " ما لفظ ميتاً فهو طعامه " وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة موقوفاً مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي بكر الصدّيق نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصدّيق قال في قوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ قال : صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما لاثه البحر، وفي لفظ :" كل ما فيه ". وفي لفظ «طعامه ميتته». ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها، وقرّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحديث هو : الطهور ماؤه والحل ميتته وحديث :" أحلّ لكم ميتتان ودمان " وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً للنَّاسِ قال : قياماً لدينهم ومعالم حجهم. وأخرج ابن جرير، عنه قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال : جعل الله الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لّلنَّاسِ والشهر الحرام والهدى والقلائد قال : حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر، فحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.
وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم قِيَاماً للنَّاسِ قال أمنا.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية