ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ٩٤ يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ٩٥ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون٩٦
بينا في تفسير الآية ( ٩٠ ) أن هذه السورة افتتحت بآيات من أحكام الحلال والحرام في الطعام وأحكام النسك ( ومنها الصيد في أرض الحرم أو في حال الإحرام ) وتلاها سياق طويل في بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم، ثم عاد الكلام إلى شيء من تفصيل تلك الأحكام الخ ونقول الآن : إن الله جلت آلاؤه نهى عباده المؤمنين عن تحريم الطيبات وعن الاعتداء فيها وفي غيرها، وأمرهم بأكل الحلال الطيب، ولما كان بعض المبالغين في النسك قد حلفوا على ترك بعض الطيبات، بين لهم بهذه المناسبة كفارة الأيمان، ثم بين لهم تحريم الخمر والميسر لأنهما من أخبث الخبائث، فكان هذا وذاك متمما لما في أول السورة من أحكام الطعام والشراب. وناسب أن يتمم أحكام الصيد في الحرم وإلاحرام أيضا : فجاءت هذه الآيات في ذلك.
وقال الرازي في مناسبة هذا لما قبله ما نصه : ووجه النظم أنه تعالى كما قال : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ثم استثنى الخمر والميسر عن ذلك – فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحللات وبين دخوله في المحرمات اه. وما قلناه خير منه وأصح، وليست الخمر والميسر من الطيبات فيستثنيان منها بل هما رجس خبيث.
يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم هذا بيان لما يجب على المحرم المعتدي في الصيد من الجزاء والكفارة في الدنيا، سبق في أول السورة تحريم الصيد على من كان محرما بحج أو عمرة ومن كان في أرض الحرم، وقد أعاده هنا ليرتب عليه جزاءه. وتقدم هنالك أن الحرم بضمتين جمع حرام وهو المحرم بحج أو عمرة وإن كان في الحل.
ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم أي ومن قتل شيئا من الصيد وهو محرم قاصدا لقتله فجزاؤه – أو فعليه جزاء – من الأنعام مماثل لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلا ففي قيمته، وقيل في قيمته مطلقا. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك. قرأ عاصم وحمزة والكسائي «فجزاء » بالرفع والتنوين، و «مثل » بالرفع والإضافة لما بعده وهو ظاهر. وقرأ الباقون بإضافة جزاء إلى مثل، وهو مخرج على أن مثل الشيء عينه على حد ليس كمثله شيء [ الشورى : ١١ ] أو هو من قبيل خاتم فضة أي من فضة، وأن المعنى فعليه جزاء الذي قتله أي جزاء عنه. وقال الزمخشري : أصله «فجزاء مثل ما قتل » بنصب مثل بمعنى فعليه أن يجزي مثل ما قتل من النعم، ثم أضيف كما تقول : عجبت من ضرب زيدا، ثم من ضرب زيد اه.
قتل المحرم بحج أو عمرة للصيد حرام بالإجماع لنص الآية. ولكن أكل المحرم مما صاده من ليس بمحرم مختلف فيه فقيل يحرم مطلقا عملا بظاهر الآية الآتية وحديث الصعب بن جثامة عند أحمد ومسلم وغيرهما. وقيل يجوز مطلقا لما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلوا مما أهدي إليهم من لحم الحمار الوحشي. والجمهور على جواز الأكل مما يصيده غير المحرم لنفسه ويهدي منه للمحرم، وهو التحقيق الذي يجمع به بين الروايات كما يدل عليه حديث أبي قتادة في الصحيحين وغيرهما وهو الذي صاد الحمار الوحشي وأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية وقد اختلفوا في الصيد الذي نهت الآية عن قتله فقال الشافعي : هو كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا جزاء في قتل الأهلي وما يؤكل لحمه من السباع والحشرات، وهي كثيرة في مذهبه، ومنها الفواسق الخمس التي ورد الإذن في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بقتلها في الحل والحرم – وهي الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور١. وأخرجاه أيضا من طريق مالك وأيوب عن نافع عن ابن عمر.
قال أيوب : قلت لنافع فالحية ؟ قال الحية لا شك فيها ولا يختلف في قتلها. وألحق مالك وأحمد وغيرهما بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد لأنها أشد ضررا منه. وقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة : الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها. وذهب أبو حنيفة إلى وجوب الجزاء في قتل كل حيوان إلا الفواسق الخمس وجعل الذئب منها لأنه كلب بري. والمراد بالغراب الأبقع الضار لا الأسحم الذي يؤكل فإنه صيد. والحاصل أن الحيوانات الضارة التي تقتل اتقاء ضررها، لا جزاء على المحرم إذا قتلها، أطلق ذلك بعضهم، قال الحافظ ابن كثير وقال مالك رحمه الله : لا يقتل الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه، وقال مجاهد بن جبر وطائفة : لا يقتله بل يرميه، وروي مثله عن علي كرم الله وجهه. وقد روى هشيم : حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما يقتل المحرم فقال :«الحية والعقرب والفويسقة ( أي الفأرة ) – ويرمي الغراب ولا يقتله – والكلب العقور والحدأة »٢ رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي عن أحمد بن منيع كلاهما عن هشيم ثم ذكر أن الترمذي حسنه.
واختلفوا في اشتراط التعمد لوجوب الجزاء فذهب أكثرهم إلى أنه لا يشترط التعمد. وقالوا إن الكتاب دل على جزاء المتعمد وسكت عن جزاء المخطئ ولكن السنة مضت بأن عليه الجزاء أيضا. قاله الزهري.
والجمهور على أن المتعمد هو القاصد لقتله مع ذكره لإحرامه وعلمه بحرمة قتل ما يقتله. ومنهم من يشترط نسيان الإحرام. ولم نر للجمهور حديثا مرفوعا يدل على تغريم المخطئ ولا رواية صحيحة صريحة في كون ذلك كان من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، إلا ما رواه الحكم عن عمر أنه كتب بذلك. وروى الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال : رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطإ، وما قاله الزهري أصرح منه. ولكن لا يعد مثل هذا دليلا شرعيا. ولذلك احتج الشافعي بالقياس على قتل الخطإ لا الروايات. ويشبه أن يكون قول عمرو بن دينار حكاية للإجماع، ولكن لا يصح فالخلاف في المسألة مروي عن ابن عباس وطاوس وسعيد ابن جبير – كلهم صرحوا باشتراط العمد. وعبارة طاوس : لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ إنما يحكم على من أصابه عمدا، والله ما قال الله إلا «ومن قتله منكم متعمدا » وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن سيرين اشتراط التعمد للقتل مع نسيان الإحرام. والروايات في الخلاف مفصلة في الدر المنثور وغيره واشتراط العمد مذهب داود الظاهري، وقد شرح الرازي استدلاله بالآية شرحا يؤذن باختياره له.
وروي عن سعيد بن جبير ما يصح أن يكون بيانا لسبب الخلاف لولا إجمال فيه، وذلك قوله : إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمدا، ولكن غلظ عليهم في الخطإ كي يتقوا اه. ولم يبين من أين جاء التغليظ، فإن صحت الرواية عن عمر أنه : كتب أن يحكم عليه في الخطإ والعمد – جاز أن يكون هذا اجتهادا منه في أحوال خاصة لسد ذريعة صيد العمد في حال الإحرام، كما فعل في إمضاء الطلاق الثلاث باللفظ الواحد لمنع الناس منه، ثم تبعه الجهور في هذا وذاك من غير بحث في السبب الباعث له على ذلك ومراعاة المصلحة التي أرادها وعدم تعديها. ومن لم يتبعه في ذلك يقول إن اجتهاده ليس شرعا ولا دليلا من أدلة الشرع، فكيف يؤخذ على علاته فيما كان كمسألتنا من المسائل المنصوصة في القرآن أو التي مضت فيها السنة قبله وفي صدر خلافته كمسألة الطلاق الثلاث ؟ هذا مع علمنا بأنه كان يخطئ فيراجع فيعترف بخطإه ويرجع عنه.
فإن إن قيل العلماء المجتهدين قد اتبعوه في ذلك لإقرار الصحابة إياه عليه وعدم معارضتهم له كعادتهم فيما يرونه خطأ – قلنا إنه لم يثبت أنه عرض مسألة تغريم من قتل الصيد خطأ على الصحابة وأقروه عليه. وإنما قال الحكم أنه كتب، ولم يقل لمن كتب، والظاهر – إن صح – أنه لبعض عماله، ويحتمل أن يكون في واقعة حال اقتضت ذلك، ونص كتابته لم يذكر في الرواية. والحكم الذي روى هذا الأثر هو ابن عتيبة الكندي الكوفي كما يظهر من إطلاق اسمه وهو على توثيق الجماعة له من المدلسين كما قال ابن حبان في الثقات. وقال فيه ابن مهدي : الحكم بن عتيبة ثقة ثبت ولكن يختلف معنى حديثه. ولم نقف على رجال السند إليه عند الذين رووا الأثر عنه – وهم ابن أبي شيبة وابن جرير وابن حاتم كما في الدر المنثور – لنعرف درجة روايتهم. وجملة القول أن هذا الأثر ليس بحجة، وسيأتي ما صح من حكم عمر.
بعد كتابة ما تقدم راجعت تفسير شيخ المفسرين ابن جرير الطبري فإذا به قد أورد في رواياته قول من قالوا إن المراد من التعمد في الآية هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله لإحرامه حال قتله إياه، وقول من قالوا إنه العمد لقتله مع ذكر قاتله لإحرامه – ولكنه ذكر في هذه الروايات قول من قالوا بالجزاء في العمد بالكتاب وفي الخطإ بالسنة أو لسد الذريعة وحفظ حرمات الله أي بالقياس – ثم قال :
«والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى حرم قتل صيد البر على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما بقوله : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ثم بين حكم من قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله – ولم يخصص المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه، بل عم في إيجاب الجزاء على كل قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا، وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع عن الأمة، ولا دلالة من بعض هذه الوجوه – فإذا كان كذلك فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه، أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه، في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو مثل ما قتل من النعم الخ ».
أقول هذا هو الاستدلال الصحيح البين ولكن لا يظهر دخول القسم الأخير من التفصيل فيه، وهو قوله :«أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه » لأن هذا من قتل الخطإ لا العمد إلا أن يريد صورة معينة وهي أن يقصد قتل صيد فيصيب صيدا غيره وهو ذاكر لإحرامه، إذ يصدق عليه حينئذ أنه قصد قتل الصيد بإطلاق وأنه منتهك لحرمة الإحرام. ولعل هذا هو المراد، ويقرب منه ما إذا قصد رميه لجرحه لا لقتله. وأما إذا رمى غرضا لا حيوانا أو حيوانا يباح قتله كالكلب العقور فأصاب سهمه أو رصاصه صيدا لم يكن يراه مثلا – فلا جزاء عليه في هذا بمقتضى الدليل الذي قرره، وسيأتي أن عمر قال في مثله أنه أشرك فيه العمد بالخطإ.
ثم قال ابن جرير : وأما ما يلزم بالخطإ قاتله فقد بينا القول فيه في كتابنا ( كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع ) بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع، وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه اه.
واختلفوا في المثل المراد من الآية فذهب الجمهور إلى اعتبار مثل المقتول في خلقه كصورته وفعله، وذهب إبراهيم النخعي إلى اعتبار القيمة وتبعه أبو حنيفة وأبو يوسف. والأول مؤيد بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم علماء الصحابة. روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم عن جابر قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد٣. أي لأنه يؤكل لحمه كما ثبت في غير هذا الحديث أيضا. وقد روي مرفوعا وموقوفا. وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فصححه. ورواه الدارقطني عن الأجلح بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة » قال والجفرة التي قد ارتعت. والأجلح هذا قال أبو حاتم لا يحتج بحديثه ووثقه يحيى بن معين وقال ابن عدي صدوق. وقال الحافظ في تقريب التهذيب : صدوق شيعي من السابعة. فاعتمد توثيقه. وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وحديث جابر أخرجه البيهقي وأبو يعلى وقالا : عن عمر رفعه. وأما الدارقطني فرواه من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه وكذلك الحاكم، ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير موقوفا على جابر وصحح وقفه الدارقطني من هذا الوجه. وقال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل ».
أقول والحديث يدل على اعتبار السن في المماثلة فالعنز بالتحريك أنثى المعز كالنعجة من الضأن، والعناق ( بالفتح ) الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة – والجفرة بفتح الجيم الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر.
يحكم به ذوا عدل منكم أي يحكم بالجزاء من النعم، وكونه مثل المقتول من الصيد، رجلان من أهل العدالة والمعرفة منكم أيها المؤمنون. ووجه الحاجة إلى حكم العدل

١ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصيد باب ٧، وبدء الخلق باب ١٦، ومسلم في الحج حديث ٦٦-٦٩، ٧١-٧٤، ٧٦، ٧٧، ٧٩،
وأبو داود في المناسك باب ٣٩، والترمذي في الحج باب٢١، والنسائي في المناسك باب ٨٢-٨٤، ٨٦، ٨٨، ١١٣، ١١٤، ١١٦، ١١٩، وابن ماجه في المناسك باب ٩١، والدارمي في المناسك باب ١٩، ومالك في الحج حديث ٨٨-٩٠، أحمد في المسند١/٢٥٨، ٢/٨، ٣٢، ٣٧، ٤٧، ٥٠، ٥٤، ٦٥، ٧٧، ٨٢، ١٣٨، ٦/٣٣، ٨٧، ٩٧، ١٢٢، ١٤٤، ٢٠٣، ٢٥٩، ٣٦١..

٢ أخرجه أبو داود في المناسك باب ٣٩، وأحمد في المسند ٢/٣، ٣/٣..
٣ أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في المناسك باب ٩٠..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير