ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

ذكر البغوي : أن رجلا يقال له أبو اليسر شد على حمار وحش فقتله فنزلت يأيها الذين أمنوا لا تقتلوا الصيد وأنت حرم يعني الحيوان الممتنع المتوحش في أصل الخلقة سواء كان مأكول اللحم أو لا كذا في القاموس، وبه قال : أبو حنيفة رحمه الله غير أنه خص منه ما ورد في الحديث جواز قتلتها وهي الحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والذئب والسبع العادي دون غير العادي فيجوز قتل الكلب لاسيما العقور، والظاهر أنه صيد واستئناسها عارضي وقيل : إنه ليس بصيد فإنه غير متوحش بالطبع، في الصحيحين عن ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يقتل المحرم من الدواب فقال :( لا جناح في قتلهن على من قتلهن العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور )(١) وفيهما عن عائشة وعن حفصة نحوه، قال : ابن الجوزي المراد بالكلب السبع مطلقا لأنه يطلق الكلب على السبع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة عتبة بن أبي لهب ( اللهم سلط عليه كلبا وكلابك )(٢)وقال : الله تعالى : من الجوارح مكلبين (٣) قال : أبو حنيفة لو سلمنا جواز إطلاق الكلب على السبع لغة لكن في العرف غلب استعماله في الحيوان المخصوص وحمل الحديث على العرف العام أولى، وأخرج أبو عوانة في المستخرج من طريق البخاري عن عائشة ذكر فيا ستا وزاد الحية، وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال : عليه السلام :( يقتل المحرم الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحدأة والسبع العادي ويرمي الغراب ولا يقتله )(٤) ورواه الترمذي ولم يذكر السبع العادي، وقال : الحسن ويحمل الغراب المنهي عن قتله على غراب الزرع، وروى ابن خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة زيادة ذكر الذئب و النمر على الخمس المشهور، لكن قال : ابن خزيمة ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور وفي مرسل سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل المحرم الحية والذئب أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود ورجاله ثقات، أخرج مسلم عن عائشة ذكر أربعا وأسقط العقرب عن الخمس المشهور. فإن قيل : كيف يجوز تخصيص الكتاب ذكر أربعا وأسقط العقرب عن الخمس المشهور. فإن قيل : كيف يجوز تخصيص الكتاب على أصل أبي حنيفة بأحاديث الآحاد ؟قلنا هذه الحديث تلقته الأمة بالقبول، فصار في حكم الحديث المشهور جاز به تخصيص الكتاب أو ثبت بالإجماع أن بعض الصيد يجوز قتله للمحرم فصار العام مخصوصا بالبعض فخصصنا بالأحاديث، وقال : الشافعي وأحمد إنما يحرم على المحرم قتل ما يحل أكله دون ما لا يحل أكله لأن في الأحاديث عيان بعضها سباع ضارية، وبعضها هوام قاتلة، وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع بل هو حيوان مستخبث اللحم فرتبنا الحكم على استخباث اللحم غير مناسب لعدم استلزامه المصلحة فلا يجوز القياس، والمختار عندي للفتوى ما قال : صاحب البدائع أن الحيوان البري ينقسم إلى مأكول وغير المأكول، والثاني إلى ما يبتدئ بالأذى غالبا وما ليس كذلك وإنما يجوز في الإحرام قتل ما يبتدئ بالأذى غالبا من غير المأكول وهي رواية عن أبي يوسف كذا في فتاوى قاضي خان ومثله عن مالك، والعلة المؤثرة في القياس البداية بالأذى، قلت : والإيذاء على أنواع مختلفة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالعقرب على ذوات السموم كالزنبور وكل ما يلدغ بالفأرة ما يشاركها في النقب والتقرض كابن عرس وبالغراب والحدأة على ما يشاركهما في الاختطاف كالصقر وبالكلب العقور على كل سبع عادي، والسنور الأهلي ليس بصيد عند أبي حنيفة لعدم توحشها، والصحيح أنها متوحشة واستئناسها عارضي بخلاف المتوحش من الأنعام فإنها مستأنسة خلقه.
مسألة : ويلتحق بقتل الصيد الإشارة إليه والدلالة عليه للذي يريد قتله إجماعا لأنه في معنى القتل إذ هو إزالة الأمن عن الصيد لأنه أمن بتوحشه وبعده عن الأعين، روى الشيخان في الصحيحين حديث أبي قتادة وفيه( أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا فأكلوا من لحمها ) الحديث، وفيه فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ) ؟قالوا لا، قال : فكلوا ما بقي من لحمها )(٥) ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علق إباحة الأكل بعدم الإشارة.
مسألة : ويلحق بالصيد بيض الطائر، وقال : داود لا يضمن، وسندكر ما ورد من الحديث والآثار في ضمان المبيض.
مسألة : أجمعوا على أن المحرم إذا اصطاد صيدا أو ذبحه كان حكمه حكم الميتة لا يجوز أكله للحلال ولا للمحرم، وقال : الثوري وأبو ثور وطائفة يجوز أكله وهو كذبيحة السارق وهو وجه للشافعية، لنا أنه أثم في ذبحه بمنزلة تارك التسمية عامدا فصار في معنى ما ذبح فسقا أهل لغير الله بخلاف السارق فإن الذبح له في نفسه وإنما المانع هناك حق العبد وهو ينجبر بالضمان.
مسألة : وإن اصطاده حلال وكان أمره بالقتل محرم أو دل عليه أو أشار إليه يحرم أكله للمحرم لما ذكرنا من حديث أبي قتادة، حيث علق النبي صلى الله عليه وسلم إباحة الأكل للمحرم بعدم الأمر والإشارة ويجوز أكله للحلال إجماعا ومن قتله يعني الصيد منكم يعني من المؤمنين المحرمين متعمدا قال : سعيد بن جبير وداود وأبو ثور وأبو ثوم وأبو منذر من الشافعية، وهي رواية عن أحمد بن حنبل أن هذا القيد يفيد أنه لا يجب الجزاء إذا قتل مخطيا وناسيا إحرامه أو مكروها أو نحو ذلك، وقال : مجاهد والحسن إنما الجزاء إنما يجب إذا قتله عامدا في قتله ناسيا إحرامه وأما إذا قتله ذاكرا إحرامه فلا حكم عليه وأمره إلى الله تعالى لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، وجمهور العلماء والأئمة الأربعة على أنه يجب الجزاء سواء قتله عامدا أو ناسيا إحرامه أو مكرها أو مخطئا أو جاهلا للحرمة، قال : الزهري الجزاء على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة والمفهوم ليس بحجة عند أبي حنيفة، وعند القائلين به المفهوم دليل ظني ومنطوق الحديث أقوى منه والإجماع أقوى منه والإجماع أقوى من الكل لكونه دليلا قطعيا، واستدل ابن الجوزي بحديث جابر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال :( هي صيد ) وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا )(٦) رواه الترمذي وقال : هذا حديث صحيح. والاستدلال بإطلاق الحكم قبل : قوله تعالى متعمدا توطئة لقوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه .
مسألة : إذا دل المحرم على صيد من يريد قتله باللسان أو باليد يجب عليه الجزاء كما يجب بالقتل عند أبي حنيفة وأحمد، وقال : مالك والشافعي لا يلزم الجزاء على الدال وإن كان يأثم كمن دل صائما على امرأة فجامعها لا يلزم الكفارة على الدال ولا يفسد صومه ولكن يأثم فكذا هاهنا لأن الدلالة ليس بقتل، والجزاء إنما هو القتل بالنص، قلنا : الدلالة في معنى القتل والنبي صلى الله عليه وسلم سوى بين الإشارة والقتل كما مر في حديث أبي قتادة ولأنه محظورات الإحرام إجماعا فلو لم يجب عليه الجزاء لا يرفع إثمه ويرتفع القتل بالجزاء فيلزمه مزية الدلالة على القتل. فإن قيل : فعلى هذا يلزم أن يجب الكفارة على الدال وإن لم يتعقبه القتل ؟قلنا : الدلالة كالنية أن يكون كالرمي إلى الصيد من أسباب القتل وذلك ليس بموجب للجزاء ما لم يتعقبه القتل فإنه إذا لم يتعقبه القتل لم ينعقد سببا فجزاء خبر مبتدأ محذوف يعني فالواجب عليه جزاء أو مبتدأ خبره ظرف مقدم عليه أو فاعل ظرف مقدم عليه، يعني فعليه جزاء والجملة خبر لمن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط قرأ الجمهور مضافا إلى مثل ما قتل قيل : الإضافة بيانية، والظاهر أنه إضافة المصدر إلى مفعوله يعني فعليه أن يجزي مثل ما قتل، وقرأ الكوفيون فجزاء منونا ومثل مرفوعا بدلا منه أو صفة له، ومآل القرائتين واحد معنى. والمراد بالمثل القيمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأن المثل المطلق صورة ومعنى هو المشارك في النوع غير مراد هاهنا إجماعا فبقي أن يراد المثل معنى وهو القيمة ولأن القيمة في قتل بعض الصيد واجب إجماعا، وهو ما لا يكون له مثل من النعم وما كان أصغر من الحمامة كالعصفور والجراد فلا بد أن المعهود في الشرع في إطلاق المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة قال : الله تعالى في ضمان العدوان : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (٧) والمراد الأعم أعني المماثل في النوع إذا كان المتلف مثليا والقيمة إذا كان قيميا بناء على أنه مشترك معنوي، وفي الحيوانات أهدر المماثلة الكائنة في تمام الصورة إجماعا تغليبا للاختلاف الباطني بين أفراد نوع واحد فجعل من القيميات فما ظنك إذا انتفى المشاركة في النوع أيضا، لم يكن هناك إلا مشاكلة في العوارض كطول العنق والرجلين في النعامة مع البدنة وأن يعب ويهدر في الحمامة مع الشاة، وعند مالك و الشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن المراد بالمثل حيوان من النعم الأهلية يشابهه الصيد المقتول من حيث الخلقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الضبع صيد وفيه شاة ) رواه أبو داود عن عبد الله، وكذا روى أصحاب السنن والحاكم في المستدرك وأحمد وابن حبان عن جابر، وروى مالك في الموطأ والشافعي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب أنه قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بمعز. وروى الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود قضى في اليربوع بجفر أو جفرة، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : في حمامة الحرم شاة وفي البيضتين درهم وفي النعامة جزور وفي البقر بقرة وفي الحمار بقرة، وروى الشافعي والبيهقي عن عثمان بن عفان أنه قضى في أم جنين بحلان من الغنم لأن قوله تعالى : من النعم أي الإبل أو البقر أو الغنم صفة لمثل بيان له والقيمة لا يكون من النعم، وأجاب الحنفيه عن استدلالهم بأن التقديرات المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة إنما هي باعتبار القيمة دون المشاكلة الصورية وبأنا لا نسلم أن قوله تعالى من النعم صفة لمثل بل هو حال من الضمير المنصوب المحذوف أي مثل ما قتلته حال كون المقتول من النعم أي ذات قوائم الأربع والنعم يطلق على الوحشي كما يطلق على الأهلي كذا قال : أبو عبيدة، وكذا في القاموس. ويرد عليه أن كلام في جزاء الصيد مطلقا سواء كان من النعم أو من الطير فجعله حالا من المقتول ينافي المقصود، قلت : وعندي أنه صفة لمثل والمراد بالمثل حيوان من النعم الأهلية يماثل المقتول في القيمة دون بعض العوارض لما ذكر أبو حنيفة من الدليل، فعندي أنه إذا اختار الجاني الهدي فعليه أن يهدي من النعم الأهلي أمثلها وأقربه قيمة من الصيد المقتول ففي حمار الوحش وبقر الوحش وكل ما زاد قيمته على قيمة الشاة سواء كانت قيمته مثل قيمة البقر أو دونه يهدي بقر جيدة أو رديئة بشرط أن لا يكون قيمة الهدي أقل من قيمة الصيد وفيما زاد على البقر أو دونه بقرة جيدة أو رديئة بشرط أن لا يكون قيمة الهدي أقل من قيمة الصيد وفيما زاد على البقر في القيمة سواء كان مثل البدنة في القيمة أو أقل منها يهدي بدنة، وفيما زاد على بدنة يهدي شاة مع بدنة أو بقرة وشاة أو بدنة وبقرة أو بدنتين أو بقرتين أو شاتين أو نحو ذلك يعني يكون قيمة الهدي مثل قيمة الصيد أو أكثر منه وما كان قيمته كقيمة الشاة جائز التضحية يهدي شاة كذلك وما يكون

١ أخرجه البخاري في كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب(١٨٢٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما ينب للمحرم وغيره من الدواب(١٢٠٠)..
٢ أخرجه ابن عساكر، وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى وقال: أخرجه ابن إسحاق وأبو نعيم من طرق أخرى مرسلة.
أنظر كنز العمال(٣٥٥٠٦)..

٣ سورة المائدة، الآية: ٤..
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب(١٨٤٧)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال (١٨٢٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم(١١٩٦)..

٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: فيما جاء في الضيع يصيبها المحرم(٨٤٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: ما في أكل الضبع (٣٧٩٦)..
٧ سورة البقرة، الآية: ١٩٤..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير