ﭟﭠﭡﭢ

قوله : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ قرأ نافع، وأبو عمرو :«يُخْرَجُ » مبنيًّا للمفعول، والباقون : مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا(١) : ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما » ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر :[ الطويل ]

فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ(٢)
قال مكي(٣) :«كما قال : على رَجُلٍ مِّنَ القريتين [ الزخرف : ٣١ ]، أي : من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع ».
وقيل : هو كقوله : نَسِيَا حُوتَهُمَا [ الكهف : ٦١ ] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي(٤) : وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله : يَا مَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ [ الأنعام : ١٣٠ ]، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل : يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل : بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها : أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها : قول ابن عباس رضي الله عنهما : تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض(٥). وهذا قول الطبري(٦).
ومنها : أن العذب في الملح كاللقاح(٧)، كما يقال : الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها : أنه قيل : منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : ١٦ ] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري(٨) :«فإن قلت : لم قال :«منهما »، وإنما يخرجان من الملح ؟
قلت : لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال : يخرجان منهما كما يقال : يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول : خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل : لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب ». انتهى.
وقال بعضهم : كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر ؟.
فالجواب عن هذا : أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون(٩).
و«اللؤلؤ » : قيل : كِبارُ الجوهر، والمرجان : صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رضي الله عنهم(١٠).
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رحمه الله :[ البسيط ]
مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ(١١)
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل :«المرجان » : حجر أحمر.
وقيل : حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد(١٢) : لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و«اللؤلؤ »، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ : اللؤلؤ، و«الجُؤجؤ » وهو الصَّدر، و«الدُّردؤ »، و«اليُؤيُؤ » - لطائر - و«البُؤبؤ » - بالموحدتين - وهو الأصل، و«اللُّؤلُؤ » - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة(١٣) :«اللُّؤلِىء » - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل :«اللُّولِي » بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو(١٤) في رواية :«يُخْرِجُ » أي : الله تعالى، وروي عنه(١٥)، وعن ابن مقسم :«نُخْرِج » بنون العظمةِ.
و«اللؤلؤ والمرجان » على هاتين القراءتين منصوبان(١٦).

فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة


قال ابن الخطيب(١٧) : فإن قيل : أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان » حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان ؟.
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى : والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس [ البقرة : ١٦٤ ].
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [ النحل : ١٤ ]، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله : عَلَّمَ القرآن ، أو يقال : بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم ؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة : التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله : خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله : وَخَلَقَ الجان مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال :«ولهُ الجوارِ ».
العامة على كسر «الراء » ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل »(١٨) والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين(١٩).
وقرأ عبد الله والحسن(٢٠)، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف ». ومنه :[ الرجز ]
لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ(٢١)
وهذا كما قالوا : هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله : وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ .
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤٠..
٢ البيت لأبي ذؤيب الهذلي. ينظر ديوان الهذليين ١/٢٥٧ واللسان (دوم)، والبحر..
٣ الدر المصون ٦/٢٤٠..
٤ ينظر معامل التنزيل ٤/٢٦٩..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٠) عن ابن عباس بمعناه..
٦ ينظر: جامع البيان ١١/٥٩٠..
٧ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤٠..
٨ ينظر: الكشاف ٤/٤٤٥، ٤٤٦، والبحر المحيط ٨/١٩٠، والدر المصون ٦/٢٤٠..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤٠، والبحر المحيط ٨/١٩٠..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٨٨) عن ابن عباس وقتادة والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٥) وزاد نسبته إلى الفريابي وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس.
وذكره أيضا عن قتاد وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد..

١١ ينظر ديوانه ص ١١٢؛ والبحر ٨/١٩٠..
١٢ البحر المحيط ٨/١٩٠، والدر المصون ٦/٢٤١..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩١، والدر المصون ٦/٢٤١..
١٤ ينظر: الحجة ٦/٢٤٧، والمحرر الوجيز ٥/٢٢٨، والبحر المحيط ٨/١٩٠، والدر المصون ٦/٢٤١..
١٥ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٢٨، والبحر المحيط ٨/١٩٠، والدر المصون ٦/٢٤١..
١٦ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩٠، والدر المصون ٦/٢٤١..
١٧ ينظر: الرازي ٢٩/٩٠..
١٨ كذا هي في الأصل كما في الدر المصون ٦/٢٤١ والصواب "فواعل"..
١٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤١..
٢٠ ينظر: الكشاف ٤/٤٤٦، والبحر المحيط ٨/١٩١، والدر المصون ٦/٢٤١، وإتحاف فضلاء البشر ٢/٥١٠، وإعراب القراءات ٢/٣٣٧..
٢١ يروى البيت "ثنايا" مكان "بنات".
ينظر الخزانة ٧/٣٦٥، وشرح الكافية ٢/١٥٢، والأشموني ٣/٥٢٧، وشرح التصريح ٢/٢٧٤، والمقتصد في شرح الإيضاح لعبد القاهر الجرجاني ٢/١٠٣٠، واللسان (ثغر)، والكشاف (٤/٤٦)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية