( ٢ ) لئلا يعلم : الجمهور على أن ( لا ) زائدة، وأن تقدير الجملة لأن يعلم أو لكي يعلم. وروح الآية يؤيد ذلك. وقد قرئت ( ليعلم ) وهذه في نفس المعنى المقصود.
( ٣ ) أن لا يقدرون : الجمهور على أن ( أن ) هي مخففة من أن وتقدير الجملة ( أنهم لا يقدرون ) أي لا يقدرون على منع فضل الله عن أحد. وعدم حذف نون المضارع دليل على صحة ذلك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ( ١ ) مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٨ ) لِئَلَّا يَعْلَمَ ( ٢ ) أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ( ٣ ) عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( ٢٩ ) ( ٢٨ – ٢٩ ).
عبارة الآيتين واضحة.
وقد تضمنت الأولى التفاتا إلى المؤمنين منطويا على التعقيب والحث والبشرى : فعليهم – وقد عرفوا سنة الله تعالى وحكمته – أن يعتبروا ويتقوا الله ويلتزموا حدوده ويؤمنوا برسله إيمانا مخلصا ويتبعوا إرشاده. فإن فعلوا ضاعف الله لهم الأجر وجعل لهم نورا يمشون في ضوئه، فلا يضلون عن سبيل الحق القويم وغفر لهم ذنوبهم وهو الغفور الرحيم، وتضمنت الثانية شيئا من الالتفات إلى أهل الكتاب منطويا في الوقت نفسه على بشرى للمسلمين : ففي ما يوصي الله تعالى المؤمنين ويأمرهم به من تقوى الله والإيمان برسله ويعدهم به من مضاعفة الأجر لهم وتيسير النور الذي يسيرون على هداه وغفران ذنوبهم. ويكون في ذلك تنبيه لأهل الكتاب ليعلموا أنهم غير قادرين على منع فضل الله عن أحد ولا محتكريه. فالله تعالى هو صاحب الفضل وهو يتصرف فيه كما تقتضي حكمته وعدله فيؤتيه من يشاء ويصرفه عمن يشاء.
وتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا يتضمن قرينة بل دلالة على أن جملة : وآمنوا برسوله لا تعني الإيمان البدني بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنهم مؤمنون به حينما وصفوا ب الذين آمنوا وإنما تعني الحث على قوة اليقين والوثوق والطاعة. وهي من هذه الناحية من باب الآيتين :( ٧ ) و ( ٨ ) من هذه السورة على ما شرحناه في سياقهما.
تعليق على الآية :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ الخ.
والآية التالية لها. وما فيهما من تلقين وما ورد في صددهما من أحاديث
روى المفسرون في سياق هذه الآيات أن وفدا من نصارى الحبشة وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا. ورأوا ما عليه المسلمون من خصاصة فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يحضروا شيئا من أموالهم ويعطوها للمحتاجين، فأذن لهم فذهبوا وأحضروها ووزعوها فأنزل الله آيات سورة القصص ( ٥٢ – ٥٥ ) هذه : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ( ٥٢ ) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( ٥٣ ) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( ٥٤ ) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ( ٥٥ ) . فصاروا يفخرون على المسلمين من العرب ويقولون لهم : أجرنا مضاعف ؛ لأننا آمنا بكتابكم وكتابنا من قبله فأنزل الله الآية الأولى من الآيتين اللتين نحن في صددهما فحسد المسلمون الحبشة المسلمين العرب فأنزل الله الآية الثانية.
والرواية لم ترد في الصحاح. ولقد روي أن آيات القصص المذكورة مدنية. ولعل ذلك متصل بهذه الرواية. ولقد توقفنا في سياق تفسير آيات القصص في رواية مدنيتها ونبهنا على ما تبادر لنا من دلائل على مكيتها بما يغني عن التكرار. ونزيد هنا فنقول : إن فحوى الآيتين لا يمكن أن ينطبق على ما جاء في الرواية، من حيث إن الرواية تقتضي أن تكون الآية الأولى ردا على فخر من بعض أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسالة المحمدية بسبب آيات مدنية وضعت في سورة مكية. ثم وضع الرد في سورة مدنية. وأن يكون أهل الكتاب الذين آمنوا قد حسدوا المسلمين العرب فأنزل الله آية فيها رد عليهم مع أن فحوى الآية لا يمكن أن تفيد أنها عنت جماعة مؤمنين بالرسالة المحمدية.....................
والذي يتبادر لنا أن الآيتين جاءتا معقبتين على الآيات السابقة التي تحكي حالة أهل الكتاب، وبخاصة النصارى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبله ؛ لتهتف بالمسلمين أن يتقوا الله ويتيقنوا ويثقوا بكل ما جاء به رسوله ودعا إليه، فيستحقوا بذلك ضعفين من رحمة الله وغفرانه ونوره. ويكون في ذلك رد على أهل الكتاب غير المؤمنين الذين قد يحتجون بأنهم على هدى الله، وأنهم الحائزون وحدهم لرحمته وفضله.
والراجح أنه كان يقع حوار بين بعض المسلمين وأهل الكتاب حول من هو الأهدى والأفضل والمستحق لرحمة الله، فكان في الآية الثانية ترديد لذلك ووضع للأمر في نصابه الحق. وهناك آيات في سور سبق تفسيرها تذكر ما كان من تبجح أهل الكتاب بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وبأنهم الأهدى الذين لهم الجنة وحدهم إلخ كما جاء مثلا في آيات البقرة ( ١١١ و ١٢٠ و ١٢٥ ) والمائدة ( ١٨ ).
ولقد روى الطبري عن ابن زيد في تأويل جملة : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ إنها بمعنى يؤتكم رحمته مرتين مرة في الدنيا ومرة في الآخرة وعن الضحاك : إنها بمعنى يؤتكم أجرا على إيمانكم بالكتاب الأول وأجرا على إيمانكم بالقرآن. ومع أن القول الأول أوجه من الثاني فإنه يتبادر لنا أيضا أن الجملة على سبيل البشرى والتطمين بمضاعفة الله الأجر للمؤمنين المتقين. وهو ما تكرر بأساليب متنوعة مرت أمثلة كثيرة منها في السور التي سبق تفسيرها. والله أعلم.
وعلى كل حال ففي الآيتين تلقين مستمر المدى يستمد منه المسلم حافزا على تقوى الله لنيل أجره المضاعف والاهتداء بنوره الهادي. وإيذانا بأنه لا حرج على فضل الله ولا يحق لأحد أن يحتكره، فالله هو صاحب الفضل فيؤتيه من يشاء ممن استحقه بعلمه الصالح وتقواه.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآيتين بعض أحاديث نبوية فيها تمثيل مبشر للمسلمين، وهي ليست من الصحاح، ومع ذلك فلم نر بأسا من إيرادها لما فيها من تبشير وتطمين للمسلمين. منها حديث أخرجه الطبري عن عبد الله بن عمر قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر عمالا فقال : من يعمل من بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود، ثم قال : من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى، ثم قال : من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قراطين فعملتم ). وحديث أخرجه الطبري بطرقه عن عبد الله بن دينار قال :( سمعت ابن عمر يقول قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذه الأمة أو قال : مثل أمتي ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل قال : من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار على قيراط قال اليهود : نحن فعملوا. ثم قال : من يعمل من نصف النهار إلى العصر على قيراط قالت النصارى : نحن فعملوا. وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل على قيراطين ).
التفسير الحديث
دروزة