بعباده يقبل توبتهم متى أنابوا إليه وخشعت له قلوبهم.
والخلاصة (١): أنه تعالى وعد المؤمنين برسوله بعد إيمانهم بالأنبياء قبله بأمور ثلاثة:
١ - أن يضاعف لهم الأجر والثواب.
٢ - أن يجعل لهم نورًا بين أيديهم، وعن شمائلهم يوم القيامة يهديهم إلى الصراط السوي ويوصلهم إلى الجنة.
٣ - أن يغفر لهم ما اجترحوا من الذنوب والآثام.
٢٩ - ثم رد على أهل الكتاب الذين خصوا فضل الرسالة بهم، فقال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ واللام (٢) فيه متعلقة بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة معنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله.. يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم الذين لم يسلموا من أهل الكتاب؛ أي: ليعلموا، و لا مزيدة كهي في قوله: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ كما ينبىء عنه قراءة ليعلم، وقراءة لكي يعلم، وقراءة لأن يعلم بإدغام النون في الياء. قال في "كشف الأسرار": وإنما يحسن إدخالها في كلام يدخل في أواخره، أو في أوائله جحد، اهـ. و أن في قوله: أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملتها في حيز النصب علي أنها مفعول يَعْلَمَ؛ أي: ليعلم الذين لم يسلموا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله الذي تفضل به على من آمن، بمحمد - ﷺ - من الكفلين والنور والمغفرة، ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان بمحمد - ﷺ -، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له. وجملة وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ سبحانه وتعالى معطوفة على جملة أن المخففة؛ أي: ليعلموا أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه. وقوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ خبر ثان؛ لأنَّ أو هو الخبر، والجار والمجرور في محل نصسب على الحال. وجملة قوله: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مقررة لمضمون ما قبلها؛ أي: والله واسع الفضل، كثير العطاء، يمنحه من شاء من عباده،
(٢) روح البيان.
لا يخص به قومًا دون آخرين، ولا شعبًا دون آخر. والمراد بالفضل هنا: ما تفضل به على الذين اتقوا، وآمنوا برسوله - ﷺ - من الأجر المضاعف، وقال الكلبيّ: هو رزق الله، وقيل: نعم الله التي لا تحصى، وقيل: هو الإِسلام. وقيل (١): إن لا في لئلا غير مزيدة، وضمير لا يقدرون للنبيّ - ﷺ - وأصحابه، والمعنى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي، والمؤمنون على شيء من فضل الله الذي هو عبارة عما أوتوه. والأول أولى.
وقرأ الجمهور (٢): لِئَلَّا يَعْلَمَ بلا المزيدة. وقرأ خطاب بن عبد الله لآن يعلم. وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، وعبد الله بن سلمة ليعلم وقرأ الجحدري لِيَنْيَعَلَمَ، أصله: لأن يعلم، قلبت الهمزة ياء لكسرة ما قبلها، وأدغم النون في الياء بغير غنة كقراءة خلف أن يَضْرب بغير غنّةٍ، وروى ابن مجاهد عن الحسن لَيْلًا مثل: ليلى اسم امرأة، يعلم برفع الميم، أصله: لأن لا بفتح لام الجر، وهي لغة فحذفت الهمزة اعتباطًا، وأدغمت النون في اللام، فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من الساكنة ياء، فصار ليلًا ورفع الميم لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، إذ الأصل لأنه لا يعلم. وروى قطرب عن الحسن أيضًا لئلا بكسر اللام، وتوجيهه كالذي قبله إلا أنه كسر اللام على اللغة المشهورة في لام الجر. وعن ابن عباس كَيْ يَعْلَم، وعنه: لِكَيْلا يعلم. وعن عبد الله، وابن جبير، وعكرمة لكي يعلم. وقرأ الجمهور (٣) أَلَّا يَقْدِرُونَ بالنون، فأن هي المخففة من الثقيلة. وقرأ عبد الله بحذفها، فأن هي الناصبة للمضارع. والله أعلم.
الإعراب
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨).
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ ناصب واسمه، وَالْمُصَّدِّقَاتِ معطوف على الْمُصَّدِّقِينَ،
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
وَأَقْرَضُوا فعل، وفاعل، معطوف على صلة أل في الْمُصَّدِّقِينَ، والتقدير: إن الذين اصدقوا وأقرضوا الله، ولفظ الجلالة الله مفعول به، و قَرْضًا مفعول مطلق، حَسَنًا صفة قَرْضًا، يُضَاعَفُ فعل مضارع، مغير الصيغة، لَهُمْ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير التصدق، ولكنه على تقدير مضاف. وَلَهُمْ متعلق بـ يُضَاعَفُ؛ أي: يضاعف لهم ثواب التصدق. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إِنَّ، وجملة إِنَّ مستأنفة. وَلَهُمْ خبر مقدم، أَجْرٌ مبتدأ مؤخر، كَرِيمٌ صفة أَجْرٌ. والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة يُضَاعَفُ.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩).
وَالَّذِينَ الواو: استئنافية، الَّذِينَ مبتدأ، وجملة آمَنُوا صلة الموصول، بِاللَّهِ متعلق بـ آمَنُوا، وَرُسُلِهِ معطوف على الجلالة، أُولَئِكَ مبتدأ ثان، هُمُ ضمير فصل، الصِّدِّيقُونَ وخبر أُولَئِكَ، أُولَئِكَ وخبره خبر الأوّل. ويجوز أن يكون هُمُ مبتدأ ثالثًا، و الصِّدِّيقُونَ خبره، و هُمُ مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وَالشُّهَدَاءُ إمّا معطوف على الصِّدِّيقُونَ والوقف عنده تام أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء، ويجوز أن تكون الواو استئنافية، وَالشُّهَدَاءُ مبتدأ، وخبره إما الظرف بعده أعني: عِنْدَ رَبِّهِمْ والثاني: أنه قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ لَهُمْ خبر مقدم، أَجْرُهُمْ مبتدأ مؤخر، و وَنُورُهُمْ معطوف على أَجْرُهُمْ، و عِنْدَ رَبِّهِمْ ظرف متعلق بمحذوف حال من أجرهم؛ أي: حال كونه مدّخرًا لهم عند ربهم. وَالَّذِينَ مبتدأ، وجملة كَفَرُوا صلته، وَكَذَّبُوا معطوف على كَفَرُوا، بِآيَاتِنَا متعلق بـ كَفَرُوا، أُولَئِكَ مبتدأ ثان، أَصْحَابُ الْجَحِيمِ خبر أُولَئِكَ. والجملة خبر الموصول، وجملة الموصول مستأنفة.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠).
اعْلَمُوا فعل أمر، و الواو فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتحقير الدنيا، وبيان هوان أمرها. أَنَّمَا أن مكفوفة، و ما وكافّة، الْحَيَاةُ مبتدأ، الدُّنْيَا صفة، لَعِبٌ خبر. والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي اعْلَمُوا. وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ معطوفات على لَعِبٌ، بَيْنَكُمْ ظرف متعلق بمحذوف، صفة لـ تَفَاخُرٌ، و تَكَاثُرٌ معطوف على لَعِبٌ، فِي الْأَمْوَالِ متعلق بـ تَكَاثُرٌ، وَالْأَوْلَادِ معطوف على الْأَمْوَالِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ جار ومجرور، ومضاف إليه، خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: مثلها كمثل غيث أو حال من معنى ما تقدم؛ أي: ثبتت لها هذه الصفات حال كونها مشبهة بغيث. أَعْجَبَ الْكُفَّارَ فعل، ومفعول مقدم، نَبَاتُهُ فاعل، والجملة في محل الجر صفة لـ غَيْثٍ. ثُمَّ حرف عطف وترتيب مع التراخي، يَهِيجُ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على النبات، والجملة معطوفة على جملة أَعْجَبَ. فَتَرَاهُ الفاء عاطفة ترى فعل مضارع، وفاعله ضمير المخاطب، والهاء: مفعول له، مُصْفَرًّا حال. لأن الرؤية هنا بصرية، والجملة معطوفة على جملة يَهِيجُ. ثُمَّ حرف عطف، يَكُونُ فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على النبات، حُطَامًا خبره. والجملة معطوفة على جملة تراه. وَفِي الْآخِرَةِ الواو: عاطفة، في الآخرة خبر مقدم، عَذَابٌ مبتدأ مؤخر، شَدِيدٌ صفة لـ عَذَابٌ. والجملة معطوفة على جملة قوله: أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَمَغْفِرَةٌ معطوف على عَذَابٌ، مِنَ اللَّهِ صفة لـ مغفرة، وَرِضْوَانٌ معطوف على مغفرة. وَمَا الواو: عاطفة، ما نافية، الْحَيَاةُ ومبتدأ، الدُّنْيَا صفة لـ الْحَيَاةُ، إِلَّا أداة استثناء مفرغ، مَتَاعُ خبر المبتدأ، الْغُرُورِ مضاف إليه. والإضافة فيه بيانية. والجملة معطوفة على ما قبلها.
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١).
سَابِقُوا فعل أمر، وفاعل. والجملة مستأنفة مسوقة لبيان أسباب المفاخرة الحقيقية التي يصح التفاخر بها. إِلَى مَغْفِرَةٍ متعلق بـ سَابِقُوا، مِنْ رَبِّكُمْ صفة لـ مَغْفِرَةٍ، وَجَنَّةٍ معطوف على مَغْفِرَةٍ، عَرْضُهَا مبتدأ، كَعَرْضِ السَّمَاءِ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر المبتدأ، وَالْأَرْضِ معطوف على السَمَاوَاتٍ.
والجملة صفة لـ جنة، أُعِدَّتْ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الجنّة. والجملة صفة ثانية لـ جنة، ويجوز أن تكون مستأنفة. لِلَّذِينَ متعلق بـ أُعِدَّتْ، آمَنُوا صلة الموصول، بِاللَّهِ متعلق بـ آمَنُوا، وَرُسُلِهِ معطوف على الجلالة. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. يُؤْتِيهِ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على اللَّهِ، ومفعول أول، مَنْ يَشَاءُ مفعول ثان، وجملة يَشَاءُ صلة من الموصولة، وجملة يُؤْتِيهِ حال من فَضْلُ اللَّهِ. وَاللَّهُ مبتدأ، ذُو الْفَضْلِ خبره، الْعَظِيمِ صفة لـ الْفَضْلِ. والجملة مستأنفة.
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ.
مَا نافية، أَصَابَ فعل ماضي، مِنْ مُصِيبَةٍ فاعل، و مِن زائدة، وذكّر الفعل لأن المصيبة مجازيّ التأنيث، والجملة الفعلية مستأنفة. فِي الْأَرْضِ صفة لـ مُصِيبَةٍ أو متعلق بها، أو متعلق بـ أَصَابَ، وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ معطوف على في الأرض. إِلَّا أداة حصر، فِي كِتَابٍ حال من مصيبة لتخصصها بالوصف، أو بالعمل، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: إلا وهي كائنة في كتاب، والجملة أيضًا حال من مُصِيبَةٍ. مِنْ قَبْلِ متعلق بما تعلق به قوله: فِي كِتَابٍ؛ أي: إلا ثابتة في كتاب من قبل أن نبرأها، أو صفة لكتاب؛ أي: كتاب كائن من قبل أن نبرأها، أَن حرف نصب ومصدر، نَبْرَأَهَا فعل مضارع، ومفعول به، وفاعله ضمير المتكلم المعظم نفسه، يعود على الله سبحانه، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل برئنا إياها. إِنَّ ذَلِكَ ناصب واسمه، عَلَى اللَّهِ متعلق بـ يَسِيرٌ، و يَسِيرٌ خبره. وجملة إِنَّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. لِكَيْلَا اللام: حرف جرّ وتعليل، كي حرف نصب ومصدر بمنزلة أن المصدرية وليست للتعليل لئلا يلزم علينا اجتماع حرفي تعليل في معلّل واحد، و لا نافية تَأْسَوْا فعل مضارع منصوب بكي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أعلمناكم ذلك أو أخبرناكم لكيلا تأسوا؛ أي لعدم أساكم. عَلَى مَا جار ومجرور، متعلق بـ تَأْسَوْا، فَاتَكُمْ فعل ماضي، وفاعل مستتر يعود على مَا، ومفعول به،
والجملة صلة لـ ما الموصولة.
وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤).
وَلَا تَفْرَحُوا فعل وفاعل، معطوف على تَأْسَوْا، و لَا نافية، بِمَا متعلق بـ تَفْرَحُوا، وجملة آتَاكُمْ صلة لـ ما الموصولة، ومتعلق فَاتَكُمْ و آتَاكُمْ محذوف، تقديره: من النعم. وَاللَّهُ مبتدأ، وجملة لَا يُحِبُّ خبره. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. كُلَّ مُخْتَالٍ مفعول به، فَخُورٍ نعت مختال، الَّذِينَ بدل من قوله: كُلَّ مُخْتَالٍ؛ أي: لا يحب الذين يبخلون، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين يبخلون، أو منصوب على الذمّ، وجملة يَبْخَلُونَ صلة الموصول. وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ فعل، وفاعل، ومفعول معطوف على يَبْخَلُونَ، بِالْبُخْلِ متعلق بـ يأمرون، وَمَنْ يَتَوَلَّ الواو: استئنافية، من اسم شرط جازم في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما، يَتَوَلَّ فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ من الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذت حرف العلّة. فَإِنَّ اللَّهَ الفاء رابطة لجواب مَن الشرطة وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية: إِنَّ اللَّهَ: ناصب واسمه، هُوَ ضمير فصل، وفي قراءة سقوطه وهو مما يرجح كونه فصلًا لا مبتدأ، الْغَنِيُّ خبر إن، الْحَمِيدُ خبر ثان لها، والجملة الاسمية في محل الجزم على كونها جوابًا لمن الشرطية، وجملة من الشرطية مستأنفة.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥).
لَقَدْ اللام: موطئة للقسم، قَدْ حرف تحقيق، أَرْسَلْنَا فعل، وفاعل، رُسُلَنَا مفعول به، بِالْبَيِّنَاتِ حال من رُسُلَنَا؛ أي: حال كونهم مؤيدون بالمعجزات، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. وَأَنْزَلْنَا فعل، وفاعل، معطوف على أَرْسَلْنَا، مَعَهُمُ ظرف متعلق بمحذوف حال مقدرة من الْكِتَابَ، و الْكِتَابَ مفعول به؛ أي: وأنزلنا الكتاب حال كونه آيلًا وصائرًا،
لأن يكون معهم إذا وصل إليهم في الأرض. وَالْمِيزَانَ معطوف على الكتاب، لِيَقُومَ اللام: حرف جرّ وتعليل، يقوم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، النَّاسُ فاعل، بِالْقِسْطِ متعلق بـ يقوم. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لقيام الناس بالقسط، الجار والمجرور متعلق بـ أنزلنا و أَرْسَلْنَا. لأنه علة للإرسال والإنزال. وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على أَرْسَلْنَا، فِيه خبر مقدم، بَأْسٌ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب حال من الْحَدِيدَ؛ أي: فيه قوة ومنعة، شَدِيدٌ وصفة وَمَنَافِعُ معطوف على بأس، لِلنَّاسِ صفة لـ منافع، وَلِيَعْلَمَ الواو: عاطفة على محذوف، واللام: حرف جرّ وتعليل، يعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، اللهُ فاعل، و مَن اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة يَنْصُرُهُ صلة لمن، وَرُسُلَهُ معطوف على الهاء؛ أي: وينصر رسله أيضًا، بِالْغَيْبِ حال من مفعول ينصره؛ أي: غائبًا عنهم غير مرئيّ لهم في الدنيا، وجملة يَعْلَمَ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور معطوف على تعليل محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: وأنزلنا الحديد ليستعملوه وينتفعوا به وليعلم الله علمًا يتعلق بالجزاء من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح في مجاهدة أعدائه، أو معطوف على قوله: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. والأوّل أولى خلافًا لما قاله الشوكاني كما مرّ؛ لأن هذا ليس علة للإرسال. إِنَّ اللهَ ناصب واسمه، قَوِيٌّ عَزِيزٌ خبران له، والجملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦).
وَلَقَدْ الواو: عاطفة، واللام: موطئة للقسم، قد حرف تحقيق، أَرْسَلْنَا نُوحًا وفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم السابق. وَإِبْرَاهِيمَ معطوف على وَجَعَلْنَا، وَجَعَلْنَا فعل، وفاعل، معطوف على أَرْسَلْنَا، في ذُرِّيَّتِهِمَا في موضع المفعول الثاني لـ جعلنا، النُّبُوَّةَ مفعول أوّل لـ جعلنا، وَالْكِتَابَ معطوف على النُّبُوَّةَ، فَمِنْهُمْ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت
إرسالنا، وجعلنا المذكور وأردت بيان مآلهم بعد ذلك فأقول لك. مِنْهُمْ خبر مقدم، مُهْتَدٍ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. وَكَثِيرٌ مبتدأ، مِنْهُمْ صفة لـ كثير، فَاسِقُونَ خبره. والجملة معطوفة على قوله: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ.
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧).
ثُمَّ حرف عطف وترتيب، قَفَّيْنَا فعل، وفاعل، معطوف على جعلنا، عَلَى آثَارِهِمْ متعلق بـ قَفَّيْنَا، بِرُسُلِنَا مفعول به لـ قَفَّيْنَا، والباء: زائدة، وَقَفَّيْنَا فعل، وفاعل، معطوف على قَفَّيْنَا الأول، بِعِيسَى مفعول به، والباء: زائدة، ابْنِ مَرْيَمَ صفة لـ عيسى، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فعل، وفاعل، ومفعولان معطوف على قَفَّيْنَا الثاني، وَجَعَلْنَا فعل وفاعل، معطوف على آتيناه، فِي قُلُوبِ الَّذِينَ جار ومجرور، ومضاف إليه في موضع المفعول الثاني لـ جعلنا، اتَّبَعُوهُ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. رَأْفَةً مفعول أول لـ جعلنا وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً معطوفان على رَأْفَةً ابْتَدَعُوهَا وفعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة صفة لـ رهبانية. ويجوز أن يكون رهبانية منصوبًا على الاشتغال بفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانية، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة جعلنا. وجملة ابْتَدَعُوهَا جملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب. والرهبانية: رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، واتخاذ الصوامع. مَا نافية، كَتَبْنَاهَا فعل وفاعل ومفعول به عَلَيْهِمْ متعلق بـ كتبنا. والجملة صفة ثانية لـ رهبانية أو مستأنفة. إِلَّا أداة استثناء ابْتِغَاءَ منصوب على الاستثناء، إن قلنا: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن، أو منصوب على أنه مفعول لأجله إن قلنا: إن الاستثناء متصل؛ أي: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله تعالى، ويكون كتب بمعنى قضى. رِضْوَانِ اللَّهِ مضاف إليه، فَمَا الفاء: عاطفة، ما نافية، رَعَوْهَا فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ابْتَدَعُوهَا، حَقَّ رِعَايَتِهَا منصوب على المفعولية المطلقة، رِعَايَتِهَا مضاف
إليه، فَآتَيْنَا الفاء: عاطفة، آتَيْنَا الَّذِينَ فعل، وفاعل، ومفعول أول، معطوف على قوله: فَمَا رَعَوْهَا. آمَنُوا فعل، وفاعل، صلة الموصول، مِنْهُمْ حال من الموصول، أَجْرَهُمْ مفعول ثان لـ آتَيْنَا، وَكَثِيرٌ الواو: استئنافية، كثير مبتدأ، مِنْهُمْ صفة له، فَاسِقُونَ خبر، والجملة مستأنفة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨).
يَا أَيُّهَا: يا حرف نداء، أي منادى نكرة مقصودة، والهاء: حرف تنبيه زائد، الَّذِينَ صفة لـ أيّ أو بدل منه، وجملة النداء مستأنفة. آمَنُوا فعل ماض، وفاعل والجملة صلة الموصول، اتَّقُوا اللَّهَ فعل أمر، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. وَآمِنُوا فعل، وفاعل، معطوف على اتَّقُوا، بِرَسُولِهِ متعلق بـ وَآمِنُوا يُؤْتِكُمْ فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول أول مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. والجملة جواب الطلب، لا محل لها من الإعراب، كِفْلَيْنِ مفعول ثان لـ يُؤْتِكُمْ، مِنْ رَحْمَتِهِ صفة لـ كِفْلَيْنِ، وَيَجْعَلْ فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على يُؤْتِكُمْ لَكُمْ متعلق بـ يَجْعَلْ وهو في موضع المفعول الثاني، نُورًا مفعول أول لـ يجعل، وجملة تَمْشُونَ بِهِ صفة لـ نُورًا، وَيَغْفِرْ لَكُمْ معطوف على يُؤْتِكُمْ أيضًا، لَكُمْ متعلق بـ يغفر. وَاللَّهُ مبتدأ، غَفُورٌ خبر أول، رَحِيمٌ خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩).
لِئَلَّا اللام: حرف جر وتعليل، أن حرف مصدر ونصب، و لا زائدة، يَعْلَمَ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، أَهْلُ الْكِتَابِ فاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لعلم أهل الكتاب، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لعلم أهل الكتاب؛ أي: ليعلموا. أَلَّا يَقْدِرُونَ أن مخففة من الثقيلة،
واسمها ضمير الشأن، لا نافية، يَقْدِرُونَ فعل وفاعل، عَلَى شَيْءٍ متعلق بـ يَقْدِرُونَ، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ صفة لـ شَيْءٍ، وجملة لَا يَقْدِرُونَ في محل الرفع خبر أن المخففة، وجملة أن المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم؛ أي: فعلنا ذلك بكم ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله. وَأَنَّ الْفَضْلَ ناصب واسمه، بِيَدِ اللَّهِ خبره، وجملة أن معطوفة على أَلَّا يَقْدِرُونَ، داخل في حيز المعلوم. وجملة يُؤْتِيهِ مستأنفة، أو خبر ثان لـ أنّ، والهاء مفعول أول لـ يُؤْتِيهِ؛ لأنّه بمعنى أعطى. من اسم موصول مفعول ثان ليؤتيه، جملة يَشَاءُ صلته. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ مبتدأ وخبر، الْعَظِيمِ صفة لـ الْفَضْلِ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ قرىء بتشديد الصاد والدال فيهما اسم فاعل من تصدق الخماسي من باب تفعل، وأصله: المتصدّقين والمتصدّقات أبدلت التاء صادًا، ثم أدغمت في الصاد فاء الكلمة. وقرىء إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ بتخفيف الصاد فيهما اسم فاعل من صدّق الرباعي من باب فعّل المضعّف العين. قَرْضًا حَسَنًا مصدر حذفت زوائده، أصله: إقراضًا حسنًا نظير قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا؛ أي: إنباتًا، والإقراض الحسن: هو عبارة عن الدفع بالمال الطيّب بطيب نفس، وخلوص نيّة ابتغاء مرضاة الله تعالى، لا يريدون جزاء ممن أعطوه.
هُمُ الصِّدِّيقُونَ جمع صديق، وهو من أوزان المبالغة ولا يجيء إلا من ثلاثي غالبًا، اهـ سمين. وفرقوا بين الصديق، والصادق بأن الصادق كالمخلص بالكسر من تخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقًا كالرياء، والسمعة والصديق كالمخلص بالفتح من تخلص أيضًا عن شوائب الغيرية، والثاني أوسع فلكًا، وأكثر إحاطة، فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس، اهـ من الروح.
لَعِبٌ وَلَهْوٌ واللعب: إتعاب النفس بلا فائدة كفعل الصبيان، واللهو: شغل النفس عما يهمك من أعمال الآخرة، والتفاخر بالأنساب والأحساب، والفخر:
المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان: كالمال والجاه.
كَمَثَلِ غَيْثٍ والغيث: المطر المحتاج إليه؛ لأنّه يغيث الناس من الجدب عند قلة المياه، فهو مخصوص بالمطر النافع بخلاف المطر؛ فإنه عام. أَعْجَبَ الْكُفَّارَ؛ أي: الحرّاث والزرّاع. قال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر؛ لأنه يكفر؛ أي: يستر بذره بتراب الأرض، والكفر في اللغة: التغطية، ولهذا سمي الكافر كافرًا؛ لأنه يغطي الحق بالباطل، والكفر أيضًا: القبر لسترها الناس.
ثُمَّ يَهِيجُ يقال: هاج النبت هيجًا وهيجانًا، وهياجًا بالكسر إذا يبس، والهائجة: أرض يبس بقلها أو اصفر، وأهاجه أيبسه وأهيجها وجدها هائجة للنبات. ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا قال في "القاموس": الحطم: الكسر أو خاص باليابس.
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا أصله: أعتدت، قلبت التاء دالًا فأدغمت الدال في الدال فصار أعدت؛ أي: هيئت. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ والمصيبة أصلها في الرمية، يقال: أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى الصواب، ثم اختص بالنائبة والحادثة. وأصل أَصَابَ أصوب بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى الصاد، فسكنت لكنها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. مُصِيبَةٍ أصله: مصوبة بوزن مفعلة اسم فاعل من أصاب الرباعي، نقلت حركة الواو إلى الصاد فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء حرف مد.
لِكَيْلَا تَأْسَوْا مضارع منصوب بحذف النون، والواو: فاعل. وأصله: تأسيون، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصارت تأساون، فالتقى ساكنان: الألف والواو التي هي الفاعل، فحذفت لالتقاء الساكنين، فصار وزنه تفعون؛ لأن لامه التي هي الياء المنقلبة ألفًا قد حذفت. والمصدر أسى مقصور، فيقال: أسي أسًى مثل: جوي جوًى من باب تعب. فقول بعض النحاة عند الاستشهاد بهذه الآية في باب النواصب. والتقدير: لأجل عدم إساءتكم فيه نظر؛ لما علمت من أن مصدر هذا الفعل أسًى لا إساءة، اهـ شيخنا. وفي "المصباح": أسي أسًى من باب تعب حزن، فهو أسي على فعيل مثل: حزين اهـ. وفي "المختار": وأسي على مصيبته من باب عدا أي: حزن، وأسي له أي: حزن له، اهـ.
مَا فَاتَكُمْ فيه إعلال بالقلب، أصله: فوتكم تحركت الواو انفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار فاتكم. آتَاكُمْ فيه إعلالان، أصله: أأتيكم بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الثانية ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى، وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
مُخْتَالٍ اسم فاعل من اختال من باب افتعل الخماسي، أصله: مختيل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. والمختال: هو المتكبر بسبب فضيلة تراءت له من نفسه. والفخور: هو المباهي بالأشياء العارضة: كالمال والجاه، وهو صيغة مبالغة.
بِالْبُخْلِ والبخل: إمساك المال عما يجب إخراجه فيه.
وَالْمِيزَانَ أصله: موزان بوزن مفعال، من الوزن قلبت الواو ياء حرف مد لسكونها إثر كسرة.
قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا والتقفية: جعل الشيء في إثر الشيء على الاستمرار، ولهذا قيل لمقاطع الشعر: قواف. إذ كانت تتبع البيت على أثره مستمرة على منهاجه. وفي المختار: وقفا أثره اتبعه، وبابه عدا، وقفى على أثره بفلان أي: أتبعه إياه، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا، ومنه الكلام المقفى.
رَأْفَةً وَرَحْمَةً والمراد من الرأفة: دفع الشر، ومن الرحمة: جلب الخير، وبذا يكون بينهم مودة.
وَرَهْبَانِيَّةً والرهبانية: المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس. وهي هنا عبارة عن ترهبهم في الجبال فارّين بدينهم من الفتنة، مخلصين أنفسهم للعبادة متحملين المشاق من الخلوة واللباس الخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف. منسوبة إلى الرهبان بفتح الراء، وهو المبالغ في الخوف من رهب، كالخشيان من خشي، ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف فإن الرهبة: مخافة مع تحزن واضطراب، كما في "المفردات". وهو فعلان من رهب كخشيان من خشي. وقرئت بالضم كأنها نسبت إلى الرهبان جمع واهب كراكب وركبان. وعبارة "القاموس": والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، أو الرهبان بالضم قد يكون واحدًا، وجمعه راهبين ورهابنة ورهبانون. ولا رهبانية في الإِسلام، هي كالإخصاء، واعتناق السلاسل، ولبس
المسوح، وترك اللحم، ونحوها، اهـ.
ابْتَدَعُوهَا استحدثوها، ولم تكن في دينهم. ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ؛ أي: طلبًا لرضاه، ومحبته، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: ابتغاى أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة.
فَمَا رَعَوْهَا؛ أي: ما حافظوا عليها، أصله: رعيوها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة.
كِفْلَيْنِ؛ أي: نصيبين ضخمين. والكفل: الحظ. قال المؤرخ السدوسي: الكفل: النصيب بلغة هذيل. وقال غيره: بل بلغة الحبشة. وقال المفضل الضبي: أصل الكفل: كساء يديره الراكب حول سنام البعير، ليتمكن من القعود عليه، والنوم إذا أراده، فيحفظه من السقوط، ففيه حظ من التحرز.
تَمْشُونَ أصله: تمشيون بوزن تفعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الشين لمناسبة الواو.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التشبيه البليغ في قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ فقد حذف أداة التشبيه تنبيهًا على قوة المماثلة، وبلوغها حد الاتحاد، كما فعل ذلك أوّلًا حيث قال: هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ. وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور، وبين تمام ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف، فيحصل التفاوت، كذا في "روح البيان"، فراجعه إن شئت.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ... الآية، حيث مثل الحياة الدنيا في سرعة انقضائها، وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى، وأعجب به الحراث. فوجه التشبيه منتزع من متعدد.
ومنها: الطباق في قوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ... إلخ، فقد طابق بين العذاب والمغفرة في قوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ولكنه طابق بين واحد وشيئين،
فهو من باب: لن يغلب عسر بين يسرين، وسيأتي تفصيله في سورة الانشراح.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ؛ أي: إلا كالمتاع الذي يتخذ من نحو الزجاج، والخزف في كونه مزخرف الظاهر فحذف الأداة ووجه الشبه.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ حيث شبه مبادرتهم إلى الطاعات بمسابقة الفرسان في الميدان.
ومنها: التنوين للتعظيم في قوله: إِلَى مَغْفِرَةٍ.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ.
ومنها: التشبه في قوله: كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تمثيلًا للعباد بما يعقلون، ويقع في نفوسهم.
ومنها: تقديم المغفرة على الجنة في قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا إلخ، لتقدم التخلية على التحلية.
ومنها: الاقتصار على الإيمان في قوله: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ إشعارًا بأن مجرد الإيمان كاف في استحقاق الجنة. إذ لم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر، ولكن الدرجات مختلفة باختلاف الأعمال.
ومنها: المقابلة في قوله: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ.
ومنها: تخصيص التذييل بالنهي عن الفرح المذكور إيذانًا بأنه أقبح من الأسى.
ومنها: الجناس المغاير بين يَبْخَلُونَ و البخل في قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ.
ومنها: التهديد في قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا لتغير الشكل وبعض الحروف.
ومنها: السجع المرصع كأنه الدر المنظوم في قوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة
١ - صفات الله وأسماؤه الحسنى، وظهور آثاره في بدائع خلقه.
٢ - الحض على الإنفاق.
٣ - بشرى المؤمنين بالنور يوم القيامة.
٤ - ثواب المتصدقين الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا.
٥ - ذم الدنيا وأنها لهو ولعب.
٦ - الترغيب في الآخرة وتشمير العزيمة للعمل لها.
٧ - التسلية على المصايب.
٨ - ذم الاختيال والفخر والبخل.
٩ - الحث على العدل.
١٠ - الاعتبار بالأمم السالفة.
١١ - قصص نوح وإبراهيم.
١٢ - إن أهل الكتاب الذين آمنوا برسلهم، وآمنوا بمحمد - ﷺ - يضاعف لهم الأجر عند ربهم.
١٣ - الله يصطفي من رسله من يشاء فهو أعلم حيث يجعل رسالته (١).
والله أعلم
* * *
شعرٌ
| العَفْوُ يُرُجَى مِنْ بَنِي آدَمٍ | فَكَيْفَ لَا أَرْتَجِي مِنْ رَبِّيْ |
| فَإِنَّهُ أَرْأَفُ بِيْ مِنْهُمْ | حَسْبِي بِهِ حَسْبِيْ بِهِ حَسْبِيْ |
| يَا مَنْ مَلَكُوْتُ كُلِّ شَيءٍ بِيَدِهْ | طُوْبَى لِمَنِ ارْتَضَاكَ ذُخْرًا لِغَدِهْ |
| سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا | إِلَّا مَا ألْهَمْتَ لَنَا |
| سُبْحَانَكَ بِعَدِّ مَا | سَيَكُوْنُ وَكَانَا |
تَمَّ بعون الله وتوفيقه المجلد الثامن والعشرون من تفسير "حدائق الروح والريحان"، ويليه المجلد التاسع والعشرون، وأوله سورة المجادلة.
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد التاسع والعشرون»
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صفحة رقم 4شعرٌ
| جَزَى اللهُ خَيْرًا مَنْ تَأَمَّلَ صَنْعَتِي | وَقَابَلَ مَا فِيْهَا مِنَ السَّهْوِ بِالْعَفْوِ |
| وَأَصْلَحَ مَا أَخْطَأْتُ فِيْهِ بِفَضْلِهِ | وَفِطْنَتِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ سَهْوِيْ |
| الصَّبْرُ مِفْتَاحُ مَا يُرَجَّى | وَكُلُّ خَيْرٍ بِهِ يَكُوْنُ |
| مِحَنُ الزَّمَانِ كَثِيْرَةٌ لَا تَنْقَضِيْ | وَسُرُوْرُهُ يَأْتِيْكَ كَالأَعْيَادِ |
منه ألف ألف درجة في فراديس جنتك ودار كرامتك، ولم أكن بدعائك رب شقيًا بكرةً وعشيًا ما دمت حيًا، ذلك الحمد - يا إلهي - في الأولى والأخرى على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وبتوفيقه أقول، وقولي هذا:
سورة المجادلة
سورة المجادلة نزلت بعد المنافقون، وهي مدنيَّةٌ، قال القرطبي: في قول الجميع إلَّا روايةً عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني، وباقيها مكّي. وقال الكلبي: نزلت جميعها بالمدينة إلا قوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ. فنزلت بمكّة.
وهي اثنتان وعشرون آية وأربع مئة وثلاث وسبعون كلمة، وألف وسبع مئة واثنتان وتسعون حرفًا.
التسميةُ: سميت بالمجادلة - بكسر الدال، اسم فاعل على الأصح كما سيأتي عن الشهاب - لبيانها قصة المرأة المجادلة - خولة بنت ثعلبة - في شأن زوجها الذي ظاهر على عادة أهل الجاهلية في تحريم الزوجة بالظهار منها.
المناسبةُ: مناسبتها لما قبلها من وجهين (١):
١ - أن الأولى ختمت بفضل الله، وافتتحت هذه بما هو من هذا الوادي.
٢ - أنه ذكر في مطلع الأولى صفاته الجليلة، ومنها: الظاهر والباطن، وذكر في مطلع هذه أنّه سميع قول المجادلة التي شكت إليه تعالى.
الناسخُ والمنسوخُ فيها: قال محمد بن حزم: سورة المجادلة كلها محكم إلا آية واحدة؛ وهي: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... الآية (١٢) من المجادلة، نسخت بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ... الآية (١٣). فنسخ الله تعالى ذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والطاعة لله وللرسول.
سبب نزولها: ما أخرجه أحمد في "المسند" عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه كل الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عزّ وجلّ: قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا... إلى آخر الآية".
وأخرجه البخاري تعليقًا، والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣).المناسبة
تقدم لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السابقة.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا... الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: صفحة رقم 10
أن الله سبحانه لما ذكر أحكام كفّارة الظهار، وبين أنه إنما شرعها تغليظًا على الناس حتى يتركوا الظهار - وقد كان ديدنهم في الجاهلية - ويتبعوا أوامر الشريعة، ويلين قيادهم لها، ويخلصوا لله ربهم في جميع أعمالهم، فتصفو نفوسهم وتزكو بصالح الأعمال.. أردف هذا ببيان أنّ من يشاق الله ورسوله، ويعصي أوامره يلحق به الخزي والهوان في الدنيا، وله في الآخرة العذاب المهين في نار جهنم، ثم أعقب ذلك بالوعيد الشديد، فبين أنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو عليم بمناجاة المتناجين، فإن كانوا ثلاثة.. فهو رابعهم، وإن كانوا خمسة.. فهو سادسهم، وإن كانوا أقل من ذلك أو أكثر.. فهو معهم أينما كانوا، فلا تظنوا أنه تخفى عليه أعمالكم وسينبئكم بها عند العرض والحساب، وحين ينصب الميزان، فتلقون جزاء ما كسبت أيديكم، وتندمون ولات ساعة مندم.
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لمّا ذكر أنّه عليم بالسر والنجوى، وأنه لا تخفى عليه خافية من أمرهم، فهو عليم بما يكون من التناجي بين الثلاثة والخمسة والأكثر والأقل، ومجازيهم على ما يكون به التناجي.. خاطب رسوله معجبًا له من اليهود والمنافقين الذين نهوا عن التناجي دون المؤمنين، فعادوا لما نهوا عنه، وما كان تناجيهم إلا بما هو إثم وعدوان على غيرهم، ثم ذكر أنهم كانوا إذا جاؤوا الرسول.. حيوه بغير تحية الله، فيقولون: السام عليك - يريدون الموت، ثم يقولون في أنفسهم: لو كان رسولًا.. لعذبنا الله؛ للاستخفاف به، وإن جهنم لكافية جدّ الكفاية لعذابهم، ثم نهى المؤمنين أن يفعلوا مثل فعلهم، بل يتناجون بالبرّ والتقوى. ثم بين أن التناجي بالإثم والعدوان من الشيطان، ولن يضيرهم شيء منه إلا بإذن الله، فعليه فليتوكلوا.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا... الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سببًا للتباغض من التناجى بالإثم والعدوان.. أمرهم بما يكون سبب التوادّ والتوافق بين بعض المؤمنين وبعضٍ، من التوسع في المجالس حين إقبال الوافد، والانصراف إذا طلب
منكم ذلك. فإذا فعلتم ذلك.. رفع الله سبحانه منازلكم في جناته، وجعلكم من الأبرار الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنه لما كان المؤمنون يتنافسون في القرب من مجلس الرسول - ﷺ - لسماع أحاديثه ولمناجاته في أمور الذين، وأكثروا في ذلك حتى شق عليه - ﷺ -، وشغلوا أوقاته التي يجب أن تكون موزعة بين إبلاغ الرسالة والعبادة والقيام ببعض وظائفه الخاصة، فإنه بشر يحتاج إلى قسط من الراحة، وإلى التحنث إلى ربّه في خلواته.. أمرهم الله سبحانه وتعالى بتقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول والحديث معه؛ لما في ذلك من منافع ومزايا:
١ - إعظام الرسول، وإعظام مناجاته؛ فإن الشيء إذا نيل مع المشقة استعظم، وإن نيل بسهولة لم يكن له منزله ورفعة شأن.
٢ - نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقات المقدمة قبل المناجاة.
٣ - وتمييز المنافقين الذين يحبون المال ويريدون عرض الدنيا من المؤمنين حق الإيمان الذين يريدون الآخرة وما عند الله من نعيم مقيم.
قال ابن عباس: أكثروا المسائل على رسول الله - ﷺ - حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفّف عن نبيه، وأنزل هذه الآيات، فكفّ كثير من الناس عن المناجاة.
أسباب النزول
قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا... الآيات، سبب نزول هذه الآيات (١): ما أخرجه الحاكم، وصححه عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع لام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - ﷺ - وتقول: يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فما
برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وهو أوس بن الصامت.
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى... الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان، قال: (كان بين النبي - ﷺ - وبين اليهود موادعة، فكانوا إذا مرّ بهم رجل من الصحابة جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنّهم يتناجون بقتله أو بما يكرهه، فنهاهم النبي - ﷺ - عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى... الآية.
قوله تعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ... الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه أحمد، والبزار والطبراني بسند جيّد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: السام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذّبنا الله بما نقول. فنزلت هذه الآية وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ... الآية. وفي الباب عن أنس وعائشة.
قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ... الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بينهم، وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويَكْبُر عليهم، فأنزل الله سبحانه: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ... الآية.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ... الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير - أيضًا - عن قتادة قال: كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلًا ضنوا بمجلسهم عند رسول الله - ﷺ -، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: أنها نزلت يوم الجمعة، وقد جاء ناس من أهل بدر وفي المكان ضيق فلم يفسح لهم، فقاموا على أرجلهم، فأقام - ﷺ - نفرًا بعدتهم وأجلسهم مكانهم، فكره أولئك النفر ذلك، فنزلت.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ... الآية فلما نزلت صبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، فأنزل الله ذلك: أَأَشْفَقْتُمْ... الآية.
وأخرج الترمذي - وحسنه - وغيره عن علي قال: لما نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. قال لي النبي - ﷺ -: "ما ترى دينارًا"؟ قلت: لا يطيقونه، قال: "فنصف دينار"، قلت: لا يطيقونه، قال: "فكم"؟
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي