قد : هنا حرف تحقيق. و جاءكم بصائر إنما ذكر الفاعل ولم يقل :" جاءتكم بصائر "، لأن الجمع المكسر يجري مجرى الواحدة المؤنثة المجازية التانيث، ويجوز التجريد من التاء. وحسنه هنا الفصل بالمفعول –اعني : جاءكم -فإن الفصل يبيح ويجوز به ترك التاء المؤنثة الحقيقة، أحرى غيرها.
وقوله : بصائر البصائر : جمع البصيرة( فعيلة ) مجموعة على ( فعائل ) على القياس. والبصيرة أشهر معانيها في لغة العرب أنها تطلق إطلاقين يرجع إليهما غالب استعمال البصيرة في القرآن، وفي لغة العرب :
أحدهما : أن البصيرة هي الحجة والدليل القاطع، ومعنى ( البصائر ) : الحجج والأدلة القاطعة، وإنما قيل للدليل القاطع والحجة والبرهان :( بصيرة )لأنه ينور البصيرة التي هي نور العقل، ينورها حتى ترى الحق حقا، والباطل باطلا، والنافع نافعا، والضار ضارا، والحسن حسنا، والقبيح قبيحا، وعلى هذا فمعنى : قد جاءكم بصائر أي : قد جاءتكم حجج قاطعات، وأدلة واضحات في هذا القرآن العظيم، بين الله لكم بها توحيده، وأدلة براهينه القاطعة، كقوله : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ( الأنعام : آية ٩٥ ) إلى آخر ما تقدم من آيات البراهين، والحجج القاطعة في هذه السورة الكريمة.
ومن إطلاق البصيرة على الدليل القاطع : قوله جل وعلا : قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ( يوسف : آية ١٠٧ )أي : على علم، ودليل واضح، وبرهان قاطع لا يترك في الحق لبسا. ومنه بهذا المعنى : قوله تعالى : بل الإنسان على نفسه بصيرة١٤ولو ألقى معاذيره١٥ ( القيامة : الآيتان ١٤-١٥ ) معناه : أن الإنسان حجة على نفسه. ولو ألقى معاذيره١٥ في قوله : ولو ألقى معاذيره١٥ وجهان معروفان من التفسير :
أحدهما : انه لو اعتذر كل الأعذار، كما قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ( الأنعام : آية ٢٣ ) فنفسه حجة عليه، لأن جلده وجوارحه تنطق بما فعل، كما يأتي في قوله : وما كنتم تسترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون٢٢ ( فصلت : آية ٢٢ ) وكقوله : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ( يس : آية ٦٥ )فكلام أيديهم وشهادة أرجلهم هو كون الإنسان بصيرة وحجة على نفسه، حيث يشهد عليه جلده وأعضاؤه وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ( فصلت : آ ]ة ٢١ )فعلى هذا : ولو ألقى معاذيره١٥ لو أتى بالأعذار الكاذبة كقولهم : حجرا محجورا ( الفرقان : آية ٢٢ ) ما كنا نعمل من سوء ( النحل : آ ]ة ٢٧ ) والله ربنا ما كنا مشركين ( الأنعام : آية ٢٣ ) فنفسه منها حجة قاطعة عليه، وهي شهادة أعضائه وجلده على أنه فعل كذا يوم كذا، في وقت كذا، في مكان كذا.
الوجه الثاني : أن ( المعذار )يطلق في لغة بعض العرب من اليمانيين وغيرهم على ( الستر )، فيقول : " أرخى معذاره " أي : ستره. والمعنى : بل الإنسان على نفسه بصيرة١٤ تقوم حجة منه بما فعل على نفسه بشهادة جوارحه ولو ألقى معاذيره١٥ أي : ولو أرخى ستوره وقت الذنب بحيث لا يطلع عليه أحد، فجوارحه تخبر بما فعل. هذا هو معنى البصيرة، ومعانيها راجعة إلى هذا.
والظاهر أن تسمية العرب الدم الذي يخرج من البكر عند افتضاضها –فقطعة الدم التي تخرج من البكر عند افتضاضها – تسميها العرب ( بصيرة )لأنها حجة على ان الزوج وجدها بكرا غير ثيب. ومن هنا قيل لدم القتيل الذي يكون عند أولاده –يأخذون دمه – تقول العرب لدمه :( بصيرة )، لأنه حجة
| راحو بصائرهم على أكتافهم | وبصيرتي يعدو بها عتد وأى |
فمن أبصر أي : بعين قلبه، لأن الإبصار إنما هو بالبصيرة، وهو المعنى الثاني للبصيرة، وهو الاستبصار والعلم بالقلب بحقائق الأشياء فمن أبصر يعني : ببصيرة قلبه، لأن الإبصار ببصيرة القلب كما يأتي في قوله : فإنها لا تعمى القلوب التي في الصدور ( الحج : آية ٤٦ ).
ومن أراد أن يقرب عنده معنى هذه الآية الكريمة فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فلينظر إلى رجلين في وسط الشارع، أحدهما صحيح العينين، تام البصر جدا، إلا انه مفقود العقل بتاتا.
والثاني أعمى، مكفوف لا يبصر شيئا، إلا أنه كامل العقل تامه. فتجد صحيح العينين قوي النظر حديده، الذي يفقد العقل يضرب رأسه في الجدار، ويسقط في البئر، ويسقط في النار، ويسقط على الحية، فهو لا يرى شيئأ، وبصره الحديد لا ينتفع به، وتجد ذلك الأعمى وعصاه أمامه، يروغ من هنا ومن هنا، كأنه يرى كل ما يضره وما ينفعه، بهذا تعلموا مدى قوله : فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور .
| إذا أبصر القلب المروءة والتقى | فإن عمى العينين ليس يضير |
فلنفسه أي : فقد أبصر لنفسه، لأن فائدة ذلك الإبصار راجعة عليه في الدنيا والآخرة ومن عمي أي : عمى قلبه، ولم يفهم عن الله – والعياذ بالله- فلم يفهم عن الله آياته، ولم يفهم هذه البصائر والججج والأدلة القاطعة، لم يفهمها، ولكن عمى قلبه عنها – والعياذ بالله- فعلى نفسه، فعماه على نفسه، نفسه عماه عليها، وإياها أضر.
وهذه الآيات تدل الإنسان على انه إن أبصر عن الله فإنما ينفع نفسه، وإن عمى عن الحق فإنما يضر نفسه – والعياذ بالله- فعلى المسلم أن يجتهد فيما يبصر به من إخلاص النية، وطاعة الله ( جل وعلا ).
وهذا معنى قوله : فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وهذا الكلام كأنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ان يقوله، ولذا قال في آخره : وما أنا عليكم بحفيظ الحفيظ :( فعيل )بمعنى ( فاعل ) أي : بحافظ عليكم أعمالكم، أوفقكم إلى خير وأوفقكم لترك الشر، وإلى فعل الخير، وأحسب أعمالكم، وأضبطها عليكم، لا، وكلا، ليس من شأني حفظ أعمالكم وتوفيقكم، ولا إحصاء أعمالكم عليكم، ولا مجازاتكم عليها، إنما أنا رسول مبلغ، إنما علي البلاغ، وقد بلغت، وحفظ أعمالكم وتوفيقكم إلى الخير والشر ومجازاتكم على ذلكم كله بيد الله وحده، كما قال جل وعلا فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ( الرعد : آية ٤٠ ) فإن تولوا فإنما عليه ما حمل أي : وهو التبليغ وعلكم ما حملتم ( النور : آية ٥٤ ) أي : وهو الطاعة. وهذا معنى قوله : وما أنا عليكم بحفيظ ( الأنعام : آية ١٠٤ )
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير