ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

ويقول الحق – سبحانه – بعد ذلك :
قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ( ١٠٤ ) .
وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة للمعنويات والإشراقات التي تأتي في القلوب كالبصر بالنسبة للعين، و ( الكون ) يعطيكم أدلة الإبصار، والقرآن يعطيكم أدلة البصائر، فكما أن الله هدى الإنسان فحذره ونهاه عن المعاصي ومنحه النور الذي يجلي له الأشياء فيسير على هدى فلا يرتطم ولا يصطدم، كذلك جعل المعنويات نورا، والنور الأول في البصر يأخذه الكافر والمؤمن، وكلنا شركاء فيه مثله مثل الرزق، لكن النور الثاني في البصائر يأخذه المؤمن فقط، ولذلك يقول ربنا :
ليخرجكم من الظلمات إلى النور ( من الآية ٩ سورة الحديد ).
وهو نور الهداية في بصائر المعنويات، فيوضح : أنا خلقتكم خلقا ووضعت لكم قوانين لصيانتكم. فقانون الصيانة في ماديات الدنيا للمؤمن والكافر، وقانون الصيانة في معنويات الحياة خاصة بالمؤمن.
وهو القائل :
من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( من الآية ٤٠ سورة النور )
ونعلم أن البصائر من المعنويات والمجيء للأمر الحسي ؛ كقولنا :( جاء زيد ) أو ( جاء عمرو ) ولك أن تتصور البصائر وهي تأتي، قال الحق :
قد جاءكم من الله نور ( من الآية ١٥ سورة المائدة )
إنه سبحانه قد أعطانا نورا صحيحا واضحا وهو يأتي إلينا بمشيئته.
قد جاءكم بصائر من ربكم أي أنها بلغت من تكوينها أنها أصبحت كأنها أشياء محسة تجيء، ولا يصح أن تقولوا إنها لم تصلكم لأنها تجيء من الرب الذي خلقنا بقدرته وأمدنا في كل شيء بقيوميته، ومن لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا، وحكم بأن رسوله قد بلغ ؛ فسبحانه أعطى لرسوله، والرسول ناولنا، فالحق قد شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق وهو الرب. ولا من المبلغ المعصوم وهو الرسول.
ويقول الحق تبارك وتعالى :
فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ( من الآية ١٠٤ سورة الأنعام )
ولله المثل الأعلى، نجد الولد يدخل البيت فيجد أمه ويقول لها : ماذا أعددت لنا من طعام ؟ فتقول : لاشيء. فيقول الابن : لقد بعث أبي اللحم والأرز والخضار، فكأنه يقول لها : أين عملك يا أمي ؟
وربنا سبحانه يوضح : أنا خلقتكم، وعملت لكم قانون صيانة، وأرسلت لكم رسولا تعرفون عنه أنه صادق في بلاغه، وأدى هذه الرسالة، لذلك فالباقي من المسألة عندكم أنتم، وكل واحد عليه أن يؤدي ما عليه من عمل، إن أبصر فلنفسه، وإن عمى فعليها. فإياكم أن تفهموا أني كلفتكم بما يعود علي في ذاتي، ولا ما يزيد من سلطاني شيئا ؛ لأن خيرها لكم أنتم، ولا آمن على التشريع ممن لا يفيد من التشريع ؛ لأن من يستفيد منه قد يشرع لمصلحته، أما الحق فهو مأمون على التشريع لأنه غير منتفع به :
يقول سبحانه :
قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ( من الآية ١٠٤ سورة الأنعام ).
ولأن الرسول عليه البلاغ فقط والحق حفظه وعصمه من الكفر وهو يبلغكم المنهج، وقد خلق الله كل إنسان مختارا وهو بهذا الاختيار يدخل نفسه في الحكم، أو يخرج نفسه من الحكم، وسبحانه لم يبعث الرسول جبارا بل بعثه رحيما ؛ لذلك يقول الله في حق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم : وما أنا عليكم بحفيظ والحفيظ من أسماء الله، وهو الحفيظ لأنه شرع وليحفظ الخلق ويريد أن يجعلهم على مثال حسن واع. والرسول هو المبلغ والحق يقول :
وما أنت عليهم بجبار ( من الآية ٤٥ سورة ق ).
إذن فكل واحد حر يدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم. وقد حارب الرسول ليحمي الاختيار بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد بعضا من سكانه قد ظلوا على كفرهم ولم يرغمهم أحد على الإيمان.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير