ويقول الحق سبحانه وتعالى :
قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( ١١ ) .
نعلم أن الحق لم يقل أبدا : سيروا على الأرض ؛ لأن الأرض ظرف يسير فيه الإنسان، والإنسان من ظروف في الأرض. وقد حدث هذا البلاغ من الله قبل أن نصل بالعلم إلى المعرفة أن الأرض كروية ومعلقة في الهواء، والهواء يحيط بها، وأن الهواء هو أقوات الإنسان بما فيه من أوكسجين وبما يغذي النبات من ثاني أوكسيد الكربون، ونعلم أن الإنسان يصير على الطعام لأسابيع ويصبر على الماء لأيام ولا يصبر على انقطاع الهواء عنه للحظات. ولذلك لا يملك الله الهواء لأحد أبدا، وهكذا عرفنا أن الهواء من جنس الأرض. وعندما يسير الإنسان فالهواء يحيطه، وعلى ذلك فهو يسير في الأرض. وهذا من الإعجاز الأدائي في القرآن ونقرأ قوله الحق :
فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( من الآية ٣٦ سورة النحل )
وهنا في سورة الأنعام يقول الحق سبحانه :
قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( ١١ ) ( سورة الأنعام ).
ما الفرق بين الاثنين ؟ خصوصا ونحن نعلم أن الفاء من حروف العطف وكذلك ( ثم ) هي أيضا من حروف العطف وكلتاها حرف يفيد الترتيب، ولكن الفارق أن الفاء تعني الترتيب مع التعقيب أي من غير تراخ ومضى مدة.... مثل قولنا : جاء زيد فعمرو، أي أن عمرا جاء من فور مجيء زيد من غير مهلة. ولكن ( ثم ) تعني طول المسافة الزمنية الفاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه، فعندما يقول الحق :
فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( من الآية ٣٦ سورة النحل ).
فكأن النظر والتدبر هو المراد من السير وبذلك يكون سير الاعتبار.
ويقول الحق : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين يعني أن الإنسان قد يسير في الأرض للتجارة أو الزراعة أو لأي عمل، وعليه أن يتفكر في أثناء ذلك وأن يتأمل. إذن فهناك سير للاعتبار وسير للمصلحة. والسير للاعتبار يعني أن يأخذ الإنسان العبرة مباشرة، أما السير للمصلحة فهو أن يأخذ الإنسان العبرة ضمن المصلحة. وكان سير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم. وكان عليهم أن يأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي