ومما تعلقت به المشيئة، وجرت به الحكمة، أنه لا بد أن يبقى للنبي من يحركه إلى ربه، كما أبان ذلك بقوله :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ
قلت : شياطين : بدل من عدو ؛ إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول لجعلنا، و عدوًا : مفعول ثان، والضمير في فعلوه : للوحي، أو للعداوة، و غرورًا : مفعول له، أو مصدر في موضع الحال.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في تسلية نبيه عليه الصلاة والسلام : وكما جعلنا لك أعداء من الكفار، جعلنا لكل نبيٍّ عدُوًّا من شياطين الإنس والجن أي : من مردة الفريقين، وشياطين الإنس أقبح ؛ لأنه يأتي في صورة ناصح، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. يُوحِي أي : يُوسوس، بعضهم إلى بعض ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه، يُلقى إليه ذلك الشيطان زخرف القول أي : أباطيله، أي : قولاً مزخرفًا مُزَوَّقًا غرورًا أي : لأجل الغرور، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه، وكل شيء يقدره وقضائه، ولو شاء ربك هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء، فذرهم وما يفترون على الله من الكفر وغيره، فلا تهتم بشأنهم.
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : آذاني إنسانٌ فضقت به ذرعًا، فرأيتُ يُقال لي : مِن علامة الصديقية كثرةُ أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم : الصيحة من العدو، سَوطٌ من الله يزجرُ بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم.
وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه :( عداوة العدو حقًا : اشتغالك بمحبة الحبيب حقًا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب ). وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له : لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك ؛ فإنه هو الذي حركه عليك ؛ ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. هـ.
وهذا كله إنما يكون في البدايات، كما قال الشاذلي رضي الله عنه :( اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ).. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم، حكَّمهم في العباد، وأذلهم لهم، فيكون العبد المجتبى سيفًا من سيوف الله، ينتصر الله به لنفسه ؛ كما نبه على ذلك في لطائف المنن. وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام ؛ تشريعًا لما ذكرنا، وتحذيرًا من الانتصار للنفس، وعدم تمحض النصرة للحق. وعند الرسوخ في اليقين، والأمن من مزاحمة الصدق غيره، وقع الإذن في الجهاد، هذا بالنسبة إلى الصحابة الكرام، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكامل من أول نشأته، وإنما ذلك تشريع لغيره، وترفيع لرتبته. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي