وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ١١٢ ( الأنعام : آية ١١٢ ).
لما كان كفار مكة، أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، عادوه شدة المعاداة، اضطر إلى أن يخرج مهاجرا إلى المدينة حرسها الله، عن مسقط رأسه الذي ولد به، لما لقي من أذاهم وهمهم بأن يقتلوه كما يأتي في سورة الأنفال في قوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين٣٠ ( الأنفال : آية ٣٠ ).
أراد الله أن يسلي نبيه في هذه الآية الكريمة، أن هذا الذي جرى عليه جرى على إخوانه وآبائه من الرسل الكرام، كإبراهيم وإسماعيل، يعني : " وكذلك " أي : كما جعلنا لك أعداء كفرة من قومك، يعادونك، ويهمون بقتلك، وإخراجك وحبسك، كما جعلنا لك أعداء، وكذلك جعلنا لكل نبي من الأنبياء عدوا أي : أعداء يعني لم يبق نبي إلا جعل الله له أعداء، لأن الحق لا يأتي به أحد إلا كان خصوم الحق أعداء له، ولذا تعرفون في حديث البخاري المشهور : أن خديجة بنت خويلد ( رضي الله عنها ) لما ذكرت أمر النبي لورقة بن نوفل، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم :( ليتني جذع إذ يخرجك قومك أكون معك، فأنصرك نصرا مؤزرا ) لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور : " أو مخرجي هم ؟ " أجابه بقوله " لم يأت بهذا الدين أحد إلا عودي ". لأن الحق لا يأتي به أحد، إلا عاداه خصوم الحق، وهم شياطين الإنس والجن، فهم أعداء للحق، و أعداء لمن قام بالحق، كما قال جل وعلا.
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون١١٢ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ١١٣ أفغير الله أبتغى حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ١١٤ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ١١٥ الأنعام : الآيات ١١٢-١١٥ )
يقول الله جل وعلا : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ١١٢ ( الأنعام : آية ١١٢ ).
لما بين الله ( جل وعلا ) في هذه السورة الكريمة – سورة الأنعام – ما لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين، ومن عدا وتهم، وعدم انقيادهم إليه _ كما قدما في قوله : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون إلى قوله : فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ( الأنعام : الآيات ٣٣-٣٥ ) أي : إن استطعت ذلك فافعل –بين الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أنه ما أرسل نبيا من الأنبياء إلا جعل له أعداء كفرة فجرة من شياطين الإنس والجن، والقصد من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ما لوقي به من العداوة إذا كان قد لاقاه إخوانه الكرام من الرسل الكرام هون ذلك الأمر عليه، كما قال له : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ( فصلت : آية ٤٣ ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ( الأنعام : آية ٣٤ ) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ( الأحقاف : آية ٣٥ ) ونحو ذلك من الآيات.
ومعنى الآية الكريمة " وذلك " أي : كما جعلنا لك أعداء كفرة من كفار قريش يعادونك، ويناصبونك العداوة، كذلك الجعل وجعلنا لكل نبي من الأنبياء قبلك شياطين الإنس والجن جعلناهم عدوا للأنبياء، وقد نص الله على هذا في الفرقان حيث قال : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ( الفرقان : آية ٣١ ) فبين أن أعداء الأنبياء هم المجرمون، وهم شياطين الإنس والجم.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعا وحده : وكذلك جعل لكل نبي بالإدغام. وقرأه نافع وحده برواية ورش وقالون : جعلنا لكل نبيء عدوا ونافع يقرأ جميع ما في القرآن من النبيء و والأنبياء كله بالهمزة في رواية ورش، وكله بالهمزة في رواية قالون عن نافع، إلا حرفين في سورة الأحزاب.
أما على قراءة نافع :" جعلنا لكل نبيء " فالنبيء مشتق من ( النبأ )، والنبأ : الخبر الذي له خطب وشأن، وإنما قيل للنبيء " نبيء " لأنه يوحى إليه، والوحي : خبر له خطب وشأن، فكل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ، لأن العرب لا تطلق النبأ إلا على الخبر الذي له شأن وخطب، أما الخبر فتطلقه على الحقير والجليل، فلو قلت : جاءنا نبأ الأمير، وجاءنا نبأ عن الجنود، وعن الأمور العظام. كان هذا من كلام العرب، فلو قلت : جاءنا نبأ عن حمار الحجام. لم يكن هذا من كلام العرب، فلو قلت : جاءنا نبأ عن حمار الحجام لا خطب لها. ولاشأن، فلا يعبر عنها بالنبأ، و إنما يعبر عنها بالخبر أما على قراءة الجمهور : وكذلك جعلنا لكل نبي بالإدغام ففيه أحدهما : أن أصله من ( النبأ )، إلا أن الهمزة أبدلت ياء، وأدغمت الياء في الياء. وعليه فالقراءة بالنبيء والنبي كالقراءتين السبعيتين إنما النسيء زيادة في الكفر [ التوبة آية ٣٧ ] إنما النسي زيادة في الكفر وعلى هذا التأويل فمعنى قراءة الجمهور كمعنى قراءة نافع.
الوجه الثاني : أن النبي على قراءة الجمهور ليس اشتقاقه من ( النبأ ) بمعنى الخبر، وإنما هو من ( النبوة ) بمعنى الارتفاع لارتفاع شأن النبي، وعلى هذا التفسير فأصل النبي على قراءة الجمهور ليس بمهموز، والأظهر أن أصله مهموز، وأن الهمزة أبدلت ياء، بدليل قراءة نافع بالهمزة.
وقوله : وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا اختلف العلماء في إعراب قوله : عدوا شياطين الإنس والجن فذهب بعض العلماء إلى أن " عدوا " و " شياطين " هما المفعولان " ل " جعلنا ". أي : جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء، أي : صيرناهم أعداء لكل نبي. وعلى هذا فتكون " شياطين الإنس " هو المفعول الأول، وقوله :" عدوا " هو المفعول الثاني. و( جعل ) هنا هي التي بمعنى :( صير ).
الوجه الثاني من الإعراب : أن أحد المفعولين هو الجار في قوله :" لكل نبي " والمفعول الثاني هو قوله : " عدوا " وعليه فيكون إعراب " شياطين الجن والإنس " أنه بدل من " عدوا " هذان الإعرابان في الآية و( جعل ) هنا بمعى( صير ) أي : صيرنا شياطين الإنس والجن أعداء لكل نبي من الأنبياء.
و( جعل ) تأتي في كلام العرب على أربعة أنحاء ثلاثة منها في القرآن، والرابع موجود في لغة العرب وليس في القرآن :
الأول من الأقسام الأربعة :( جعل ) التي بمعنى ( اعتقد ) ومنه قوله : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان ( الزخرف : آية ١٩ ) وفي القراءة الأخرى : الذين هم عند الرحمان إناثا المعنى : اعتقدوا الملائكة إناثا. ف( جعل ) هذه بمعنى ( اعتقد ) وهي تنصب مفعولين، أصلها مبتدأ وخبر.
الثاني :( جعل ) بمعنى ( صير ) كهذه التي عندنا جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ( الأنعام : آية ١١٢ )أي صيرنا شياطين الإنس والجن عدوا لكل نبي.
وهي أيضا تنصب المبتدأ والخبر مفعولين.
الثالث :( جعل ) بمعنى ( خلق ) وهي تنصب مفعولا واحدا، وهي التي تقدمت في أول هذه السورة الكريمة الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ( الأنعام : آية ١ ) أي : خلق الظلمات والنور.
هذه الأقسام الثلاثة من معاني( جعل ) أعني كونها بمعنى ( اعتقد )، وكونها بمعنى ( صير )، وكونها بمعنى ( خلق )، كلها في القرآن العظيم.
أما معناها الرابع فهو في اللغة، وليس في القرآن وهو إتيان ( جعل ) بمعنى شرع في الأمر، كقولهم : جعل فلان يفعل كذا. أي : شرع يفعله. ومنه بهذا المعنى قول الشارع :
| وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني | ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر. |
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال : إن المراد : أعداء، لأنهم شياطين الإنس والجن، وهم جماعة، وأعداء الرسل جماعات لا مفرد، وهنا قال :" عدوا " بصيغة المفرد، ولم يقل : " وكذلك جعلنا لكل نبي أعداء " بل قال : " عدوا " وجاء في القرآن إطلاق العدو مرادا به الجمع في آيات متعددة كقوله :" فإن كان من قوم عدو لكم " أي : أعداء لكم. وكقوله : " هم العدو فاحذرهم " أي : هم الأعداء فاحذرهم. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا : أن المقرر في علوم العربية : أن المفرد إذا كان اسم جنس جاز إطلاقه مفرد اللفظ مرادا به الجمع إذا دلت على ذلك قرائن.
وهذا كثر في القرآن وفي كلام العرب في الحالات الثلاث، أعني بقولي( في الحالات الثلاث ) : أن يكون منكرا، و أن يكون معرفا بالألف واللام، وأن يكون مضافا. فمثال إطلاق الجنس مفردا مرادا به الجمع منكرا في القرآن قوله : إن المتقين في جنات ونهر ٥٤ ( القمر : آية ٥٤ )يعني : وأنهار، بدليل قوله : فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ( محمد : آية ١٥ ) وقوله : ثم نخرجكم طفلا ( الحج : آية ٥ ) يعني أطفالا. وقوله : واجعلنا للمتقين إماما ( الفرقان : آية ٧٤ ) أي : أئمة. وقوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا [ النساء : آية ٤ ] أي : أنفسا. وقوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا ( المائدة : آية ٦ ) أي : وإن كنتم جنبين أو أجنابا فاطهروا. وقوله جل وعلا : مستكبرين به سمارا تهجرون٦٧ ( المؤمنون : آية ٦٧ )أي : سامرين. وهو كثير في القرآن. ومن أمثلته في القرآن واللفظ معرف بالألف واللام قوله جل وعلا : أولئك يجزون الغرفة ( الفرقان : آية ٧٥ ) يعني : الغرف. بدليل قوله : لهم غرف من فوقها غرف مبنية ( الزمر : آية ٢٠ ) وهم في الغرفات آمنون ( سبا : آية ٣٧ ) وقوله : أو الطفل الذين لم يظهروا ( النور : آية ٣١ ) يعني : الأطفال سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥ ( القمر : آية ٤٥ ) أي : الأدبار.
وقوله : وجاء ربك والملك صفا صفا ٢٢ ( الفجر : آية ٢٢ )أي : والملائكة، لأن الملك الواحد لا يكون صفا صفا، وكما دل عليه قوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام والملائكة ( البقرة : آية ٢١٠ ) وهذا كثير في القرآن. ومن أمثلته واللفظ مضاف : قوله جل وعلا : إن هؤلاء ضيفي ( الحجر : آية ٦٨ ) أي : أضيافي، وقوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : آية ٦٣ ] أي : أوامره وإن تعدوا نعمت الله ( إبراهيم : آية ٣٤ ) أي : نعم الله، وأنشد الشيخ سيبويه في كتابه لإطلاق اسم الجنس مفردا مرادا به الجمع، أنشد له بيتين، أحدهما قول علقمة بن عبدة التميمي :
| بها جيف الحسرى فأما عظامها | فبيض وأما جلدها فصليب |
| كلوا في بعض بطنكم تعفوا | فإن زمانكم زمن خميص |
ومنه اللفظ منكرا في كلام العرب : قول عقيل بن علفة المري
| وكان بنو فزارة شر عم | وكنت لهم كشر بني الأخينا |
ومنه اللفظ مضاف : قول العباس بن مرداس السلمي :
| فقلنا أسلموا إنا أخوكم | وقد سلمت من الإحن الصدور |
| إذا آباؤنا وأبوك عدوا | أبان المقرفات من العراب |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير