تفسير المفردات : الإيحاء : الإعلام بالأشياء من طريق خفي سريع كالإيماء، والزخرف : الزينة كالأزهار للرياض والذهب للنساء وما يصرف السامع عن الحقائق إلى الأوهام والغرور : الخداع بالباطل.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآيات السابقة أن مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها وبما تدل عليه من صدق الرسول في دعوى الرسالة، وأن المؤمنين كانوا يودون لو أجيب اقتراحهم ظنا منهم أن ذلك مفض إلى إيمانهم، وذكر لهم خطأهم بقوله :" وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فأفاد أن سنته فيهم وفي أمثالهم من المعاندين أنهم إذا رأوا آية تدل على خلاف ما يعتقدون نظروا إليها نظرة إنكار وجحود، وحملوها على أنها إما خديعة وسحر، وإما أنها من أساطير الأولين.
ذكر هنا ما هو أبلغ من ذلك وفصل الإجمال الماضي في قوله :" وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فأيأس النبي صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، ولو جاءهم بكل آية وأتى بهم بكل دليل.
ثم أراد بعدئذ تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن سنته في الخلق أن يكون للنبيين أعداء من الجن والإنس فقال : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن . الإيضاح : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن أي كما جعلنا هؤلاء ومن لف لفهم أعداء لك جعلنا لكل نبي جاء قبلك أعداء هم شياطين الإنس والجن قال مجاهد وقتادة والحسن : إن من الإنس شياطين ومن الجن شياطين وأيده ابن جرير بما رواه أبو ذر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عقب صلاة :" يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ؟ " قال : قلت يا رسول الله وهل للإنس شياطين ؟ قال :" نعم " وجاء في سورة البقرة وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [ البقرة : ١٤ ] الآية.
ومعنى جعلهم أعداء للأنبياء : أن سنة الله فد جرت بأن يكون الشرير الذي لا ينقاد للحق كبرا عنادا أو جمودا على ما تعود عدوا للداعي إليه من الأنبياء وورثتهم وناشري دعوتهم، وهكذا الحال في كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر، في الأمور الدينية أو الاجتماعية، وهذا ما يعبر عنه بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تدعو إلى التنافس والجهاد وتكون العاقبة انتصار الحق، وبقاء الأمثل الأصلح كما قال تعالى : فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ الرعد : ١٧ ] فالحياة جهاد لا يثبت فيه إلا الصابرون المجدون، وليس العمل للآخرة إلا كذلك، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب [ البقرة : ٢١٤ ].
ثم بين بعدئذ أن من أثر عداء هؤلاء الشياطين للأنبياء مقاومتهم للهداية والدعوة التي كلفوا بها فقال :
يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا أي يلقى بعضهم إلى بعض القول المموه الذي به يظنون أنهم يسترون قبيح باطلهم، ويؤدونه بطرق خفية لا يفطن إلى باطلها كل أحد حتى يغروا غيرهم ويخدعوه ويميلوه إلى ما يريدون.
وأول مثل لهذا الغرور ما وسوس به الشيطان للإنسان الأول وزوجه الكريم آدم وحواء، فزين لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها كما قال : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [ الأعراف : ٢١ ].
وهكذا يوسوس شياطين الإنس والجن لمن يجترحون السيئات ويرتكبون المعاصي فيزينون لهم ما فيها من عظيم اللذة والتمتع بالحرية، ويمنونهم بعفو الله ورحمته، وشفاعة أنبيائه وأولياء حتى ليترنم أحدهم بقوله :
| تكثر ما استطعت من الخطايا | فإنك واجد ربّا غفورا |
فذرهم وما يفترون من الكذب ويخترعون من الإفك، صرفا للناس عن سبيل الحق، وسعيا في إضلالهم وصدهم عن طريق الرشاد، وامض لشأنك كما أمرت فعليك البلاغ، وعلينا الحساب والجزاء، وسترى سنتنا فيهم وفي أمثالهم، وقد أراه عاقبة أمرهم فأهلك المستهزئين بالقرآن ونصره على أعدائه المشركين ولينصرن الله من ينصره [ الحج : ٤٠ ].
تفسير المراغي
المراغي