ثم نهى عن الركون إلى الجهال، فقال :
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : لرسوله عليه الصلاة والسلام ولمن كان على قدمه : وإن تُطع أكثر من في الأرض ؛ من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه يضلوك عن طريق الله ، الموصلة إلى معرفته، وحلول رضوانه، فإن الضال لا يأمر إلا بما هو فيه، مقالاً أو حالاً. والمراد بهم : من لا يقين عندهم، بل إن يتبعون إلاَّ الظن ، وهو ما استحسنته عقولهم، إما تقليدًا، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة، وإن هم إلا يخرصون أي : يكذبون على الله فيما ينسبون إليه ؛ كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصُلة إلى الله، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدّرون في عقولهم أنهم على شيء، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه.
وفي الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أخوَفُ ما أخافُ على أمَّتِي ضَعفُ اليَقِين " ١. وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة، وتربية اليقين وصحته إنما تُكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم، والتودد إليهم وخدمتهم. وفي بعض الأخبار :( تعلموا اليقينَ بمجالسةِ أهل اليقين )، وفي رواية :" فَإنَّي أتعلَّمُه "، والحاصل : أن الخير كله في صحبة العارفين الراسخين في عين اليقين. أو حق اليقين، وما عداهم يجب اعتزالهم، كيفما كانوا، إلا بقصد الوعظ والتذكير، ثم يغيب عنهم، وإلى هذا أشار ابن الفارض رضي الله عنه بقوله :
وبالله التوفيق. تَمَسّك بأذيالِ الهَوَى واخلعَ الحَيَا وخَلّ سَبِيلَ النَّاسِكينَ وإن جَلُّوا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي