يقول الله جل وعلا : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون١١٦ ( الأنعام : آية ١١٦ ).
أخبر الله في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم ليبين على لسانه لأمته أن من أطاع أكثر الناس أضلوه عن سبيل الله، وهذه الآية الكريمة تدل على أن أكثر الخلق ضالون مضلون، وهو كذلك، كما جاء مبينا في أحاديث كثيرة صحيحة، وآيات من كتاب الله، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ( هود : آية ١٧ ) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( هود : آية ١٠٣ ) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ٧١ ( الصافات : آية ٧١ ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ٨ ( الشعراء : آية ٨ ) وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نصيب الجنة من الناس واحد من الألف، وأن نصيب النار تسعة وتسعون وتسعمائة. هذا ثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح : أن الله يقول لآدم يوم القيامة : يا آدم. فيقول آدم : لبيك ربي وسعديك، والخير كله في يديك. فيقال له : يا آدم أخرج خلق النار. فيقول : يا ربي، وما خلق النار ؟ فيخبره ربه أنه تسعة وتسعون وتسعمائة من كل ألف، ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا ضاق على الصحابة، وحزنوا من هذا لقلة نصيب أهل الجنة، وكثرة نصيب النار، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الكفرة الفجرة، وأن يأجوج ومأجوج يمكن أن يكون منهم الألف ومنكم واحد، ولذا قال تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض ( الأنعام : آية ١١٦ ) المراد بالأرض على التحقيق : جميع أهل الدنيا الذين هم في الأرض، خلافا لمن زعم أن المراد بها أرض مكة، وأن المراد أكثر أهلها من رؤساء الكفرة. التحقيق هو التعميم.
وقوله : يضلوك هو جزاء الشرط، منصوب بحذف النون، مضارع ( أضله، يضله ) إذا جعل ضالا، وتسبب له في الضلال عن طريق الصواب.
وقد بينا في هذه الدروس مرارا : أن الضلال –أعاذنا الله والمسلمين منه- يطلق في القرآن العظيم وفي اللغة العربية إطلاقات متعددة على ثلاثة أنحاء : يطلق الضلال في اللغة والقرآن على الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، كالذي يذهب عن طريق الهدى إلى طريق الكفر، وعن طريق الجنة إلى طريق النار. وهذا الاستعمال أكثر استعمالات الضلال. ومنه قوله تعالى : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( الفاتحة : آية ٧ ) وهذا أكثر معناه في القرآن. ويطلق الضلال في القرآن، وفي لغة العرب : على الغيبوية والاضمحلال. فكل شيء غاب واضمحل وذهب تقول العرب :" ضل ". ومنه قول العرب :" ضل السمن في الطعام " إذا طبخ فيه وغاب فيه، ومنه بهذا المعنى في القرآن : وضل عنهم ما كانوا يفترون ( الأنعام : آية ٢٤ ) أي : غاب وبطل واضمحل، ومنه بهذا المعنى في القرآن قوله تعالى : وقالوا أءذا ضللنا في الأرض ( السجدة : آية ١٠ ) يعنون أن عظامهم أكلتها الأرض، فاختلطت بالتراب، فذهبت واضمحلت فيها كما يضمحل السمن في الطعام، ومن أجل هذا كانت العرب تسمي الدفن ( إضلالا )، إذا دفنوا الميت في قبره تقول العرب، : " أضلوه ". أي غيبوه في قبره، لأن مآله إلا أن تأكله التراب، كما قالو : " أءذا ضللنا في الأرض " ( السجدة : آية ١٠ ) ومن إطلاق العرب الإضلال على الدفن كما ذكرنا، قول المخبل، السعدي يرثي قيس بن عاصم المنقري التميمي :
| أضلت بنو قيس بن سعد عميدها | وفارسها في الدهر قيس بن عاصم |
| فإن تحيا لا أملك حياتي، وإن تمت | فما في حياتي بعد موتك طائل |
| فآب مضلوه بعين جلية | وغودر بالجولان حزم ونائل |
| ألم تسأل فتخبرك الديار | عن الحي المضلل أين ساروا |
ويطلق الضلال أيضا في القرآن، وفي لغة العرب على :" الذهاب عن معرفة حقيقة الشيء، فكل من لم يعرف حقيقة شيء تقول العرب :" ضل " وهذا ليس من الضلال في الدين وإنما هو الذهاب عن علم معرفة الشيء. وهذا الإطلاق كثير في القرآن، ومنه على أصح التفسيرات : قوله تعالى : ووجدك ضالا فهدى ٧ ( الضحى : آية ٧ ) أي : ذاهب عما تعلمه الآن من العلوم والأسرار، فهداك إليه بالوحي، لأنه لا يعلم إلا بالوحي. ومنه بهذا المعنى : قول أولاد يعقوب في حق أبيهم : إنك لفي ضلالك القديم ( يوسف : آية ٩٥ ) إن أبانا لفي ضلال مبين ( يوسف : آية ٨ ) يعنون : لفي ذهاب عن حقيقة الأمر، حيث فضل ابنين على عشرة بنين، وحيث رجا يوسف أنه حي وهو قد مات، فهو ذاهب عن علم الحقيقة في زعمهم، ومن الضلال بهذا المعنى : لا يضل ربي ولا ينسى ( طه : آية ٢٥ ) أي : لا يخفى عليه علم شيء، ولا تذهب عليه حقيقة شيء، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما ( البقرة : آية ٢٨٢ )أي : تذهب عن علم حقيقة المشهود به بنسيان ونحوه فتذكر إحداهما الأخرى ومن الضلال بهذا المعنى قول الشاعر :
| وتظن سلمى أنني أبغي بها | بدلا أراها في الضلال تهيم |
وهذا معنى قوله : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ( الأنعام : آية ١١٦ ) السبيل في لغة العرب : الطريق. وهي تذكر وتؤنث، فمن تأنيثها في القرآن : قل هذه سبيلي ( يوسف : آية ١٠٨ ) ولم يقل :" هذا سبيلي ".
ومن تذكيرها في القرآن : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ( الأعرف : آية ١٤٦ ) فهي من الأجناس التي تذكر وتؤنث.
والسبيل : الطريق. وسبيل الله معناه : طريق الله. وأضاف تلك الطريق إلى الله /، لأنه هو الذي شرعها، وبين معالمها، وأمر بسلوكها، ووعد من سلكها خير الدنيا والآخرة. فسبيل الله – التي هي الحق، التي أمر بها وبعث بها أنبياءه – من طاع أكثر من في الأرض أضلوه عنها إلى سبيل الشيطان، وطريق الجور عن الحق. وهذا معنى قوله : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله .
ثم بين ( جل وعلا ) أن أثر أهل الأرض الضالين المضلين لم يكن عندهم مستند علمي في ضلالهم، وإنما هي ظنون وتخمينات، حيث قال إن يتبعون إلا الظن{ وإن هم إلا يخرصون ( الأنعام : آية ١١٦ )( إن ) هنا نافية بمعنى :( ما )، والمعنى : ما يتبعون شيئا إلا الظن، وماهم إلا يخرصون.
والخرص معناه : الكذب، وأصل الخرص : هو الحزر والتخمين، ومنه : " خرص ما على النخلة فحزره ". لأن الكاذب لا يتحرى في الأمور، بل يخمن ويحزر، ولا يتحرى الحقائق، ومن هنا قيل للكذب خرص ومنه : قتل الخراصون١٠ ) الذاريات : آية ١٠ )أي : لعن الكذابون، لأن الخارص يظن ويحرز، ولا يتحرى ويتحقق.
والظن يطلق في القرآن وفي لغة العربية يطلق إطلاقين :
أحدهما يطلق ( الظن ) على الشك المستوى الطرفين. وكون الظن جل الاعتقاد اصطلاح حادث للأصوليين والفقهاء، أما لغة العرب فتطلق الظن إطلاقين، وهما في القرآن : أحدهما : إطلاق الظن بمعنى الشك، ومنه قوله هنا : إن يتبعون إلا الظن ( النجم آية ٢٨ ) الشك في تقليد آبائهم، وهذا الظن- الذي هو شك- هو المراد في قوله : إن الظن لا يغني من الحق شيئا ( النجم : آية ٢٨ ) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ( يونس : آية ٣٦ ).
الثاني من إطلاق ( الظن ) في القرآن : هو إطلاق الظن مرادا به اليقين، وهو كثير أيضا في القرآن، وفي كلام العرب، فمن إطلاق الظن مرادا به اليقين في القرآن قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ( البقرة : آية ٢٤٩ )أي : يوقون أنهم ملاقو الله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ( البقرة : آية ٤٦ ) إني ظننت أني ملاق حسابية٢٠ ( الحاقة : آية ٢٠ ) أي : أيقنت ذلك ورءا المجرمون النار فظنوا أي : أيقنوا أنهم مواقعوها ( الكهف : آية ٥٣ ). ومن إطلاق الظن في لغة العرب بمعنى اليقين : قول دريد بن الصمة الجشمي حيث قال :
| فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج | سراتهم في الفارسي المسرد |
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيبا مرجما
يعني : أجعل مني اليقين غيبا مرجما.
ومن إطلاق ( الظن ) في كلام العرب بمعنى( الشك )قول طرفة بن العبد :
| وأعلم علما ليس بالظن أنه | إذا ذل مولى المرء فهو ذليل |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير