ويقول الحق بعد ذلك :
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإن هم إلاّ يخرصون ( ١١٦ ) :
و " من في الأرض " المقصود بهم المكلفون ؛ لأنهم هم من يتميزون بالاختيار ولهم أوامر ونواه، فما دون الإنسان لا أمر له، و " أكثر " لا يقابلها بالضرورة كلمة " قليل " أو " أقل "، وما دام القول هو : " أكثر ". فقد يكون الباقون كثيرا أيضا، وأما كثير فإنها، تعطي له كميته في ذاته وليست منسوبة إلى غيره، ولذلك كنا نسمع من يقول : مكتوب على محطة مصر أو على " المطار " أو على " الميناء "، يا داخل مصر منك كثير، أي إن كنت رجلا طيبا فستجد مثلك الكثير، وإن كنت شريرا فستجد مثلك الكثير أيضا.
ويقول الحق :
ألم تر أنّ الله يسجد له من في السّماوات ومن في الأرض والشّمس والقمر والنّجوم والجبال والشّجر والدّوابّ وكثير من النّاس وكثير حقّ عليه العذاب.. ( ١٨ ) [ سورة الحج ].
فكل الكائنات مقهورة مسخرة، وعند الناس انقسم الأمر ؛ لأن لهم اختيارا، فراح أناس للطاعة وذهب أناس للمعصية، فلم يقل الحق : والناس. بل قال " وكثير من الناس "، ولم يقل الحق : وقليل حق عليه العذاب، لكنه قال : وكثير حق عليه العذاب فهؤلاء كثير وهؤلاء كثير، وإن نظرت إليهم في ذاتهم فهم كثير، والآخرون أيضا إذا نظرت إليهم تجدهم كثيرا. ولماذا يقول الحق : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله ؟
" الطاعة " كما نعرف استجابة للأمر في " افعل "، والنهي في " لا تفعل " إذا قال الحق للإنسان افعل كذا ؛ فالإنسان صالح لأن يفعل وأن لا يفعل، وإن قال : " لا تفعل " فالإنسان صالح أن يفعل، وأن لا يفعل، وإن كان هنالك شيء لا تقدر عليه فلن يقول لك : افعله. والإنسان عادة حين يؤمر أو ينهى إنما يؤمر وينهى لمصلحته، فإن لم يوجد أمام مصلحة معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضا ؛ لأن الله أجاز له حرية الفعل والترك. ويوضح الحق : من رحمتي أن جعلت لكم تشريعا ؛ لأننا لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل واحد من الذين لهم السيطرة على الناس بما يوافق هواه، وسينهي كل واحد من الناس بما يخالف هواه ؛ لذلك نعصم هذا الأمر بالمنهج. حتى لا يتضارب الخلق ولا يتعاكس هواك مع هوى أخيك. ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد لا هوى له، ويوجد منهج يقول للجميع " افعلوا كذا " و " لا تفعلوا كذا " وبذلك يأتي الاستطراق لنفعهم جميعا. ولذلك يقول الحق :
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل.. ( ١١٦ ) [ سورة الأنعام ]
فهناك أناس مؤمنون وهم أصحاب الفطرة السليمة بطبيعتهم ؛ لأن الخير هو الفطرة في الإنسان، وقد جاء التشريع لينمي صاحب الفطرة السليمة فطرته أو يؤكدها له، ويعدّل في صاحب النزعة السيئة ليعود به إلى الفطرة الحسنة.
والذين يضلونك عن سبيل الله ماذا يتبعون ؟ يقول الحق : إن يتبعون إلا الظن .
كل واحد منهم يظن أن هذا الضلال ينفعه الآن، ويغيب عنه ما يجر عليه من الوبال فيما بعد ذلك.
و " الظن " كما نعلم هو إدراك الطرف الراجح ويقابله الوهم وهو إدراك الطرف المرجوح والظن هنا، هو ما يرجحه الهوى :
إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإن هم إلاّ يخرصون ( ١١٦ ) [ سورة الأنعام ]
و " إن " كما نعلم تأتي مرة جازمة : إن تفعل كذا تجد كذا، وتأتي مرة نافية، مثل قوله الحق :
ما هنّ أمّهاتهم إن أمّهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. ( ٢ ) [ سورة المجادلة ]
أي : ما أمهاتهم ؛ ف " إن " هنا نافية. وقوله الحق : إن يتبعون إلا الظن أي ما يتبعون إلا الظن. هم إما أن يتبعوا الظن وإما أن يخرصوا. ( فالخارص ) هو من يتكلم بغير الحقيقة، بل يخمن تخمينا، كأن ينظر إنسان إلى آخر في سوق الغلال ويسأله : كم يبلغ مقدار هذا الكوم من القمح ؟. فيرد : حوالي عشرة أرادب أو اثني عشر أردبا، وهو يخمن تخمينا بلا دليل يقيني أو بلا مقاييس ثابتة، أو يقول كلاما ليس له معنى دقيق.
فإذا اتبعت الناس فسوف يضلونك. لأنهم لا يملكون دليلا علميا، ولاحقا يقينيا، بل يتبعون الظن إن كان الأمر راجحا، ويخرصون ويخمنون حتى ولو كان الأمر مرجوحا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي