ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

بعدما عرض كتاب الله في الربع الماضي على أنظار المشركين والكافرين آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق المحيطة بهم من حولهم، وما أنعم به على خلقه من النعم المتوالية والعطايا الدائمة، رحمة بهم وإحسانا إليهم. وبعدما تبين ما هم عليه من تحجر في الفكر، وقسوة في القلب، وإصرار على التمسك بالباطل، واستكبار عن قبول الحق، جاء كتاب الله في هذا الربع، مبينا أن من كان مثلهم تحجرا واستغلاقا، وعنادا وإصرارا، لا تنفع فيه، لا آيات الوحي الناطقة، ولا آيات الكون الصامتة، بل إن إجراء خوارق العادات من أجل إقناعهم، وإقامة الحجة عليهم، لو وقع، تلبية لطلبهم، واستجابة لتحديهم، لما كان له إلا أثر سلبي في أنفسهم، فقد عميت بصائرهم، وتحجرت عقولهم، إلى درجة أنه لم يبق أي منفذ ينفذ منه الحق أو الحقيقة إلى قلوبهم، وذلك ما يؤكده قوله تعالى : ولو نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا أي عيانا ومشاهدة، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون، وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . وفي مثل هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة يونس : إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم .
وانتقلت الآيات الكريمة إلى تقرير حقيقة اجتماعية وتاريخية كبرى، حتى لا يضل عنها المسلمون، ولا يختلط عليهم الحابل بالنابل، ألا وهي " معيار الحق " و " معيار الحقيقة " ليس هو كثرة القائلين بالقول، ولا كثرة المقلدين للرأي، فكم من الأكثريات والأغلبيات إنما تؤيد الباطل، دون الحق، وتسير وراء الأوهام، لا وراء الحقائق، وذلك في جميع عصور التاريخ، وبالنسبة لكافة الدعوات، بحيث كثيرا ما تكون القلة من الناس دون الكثرة هي المتمسكة بالحقيقة، والحريصة على الحق ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ولم يكتف كتاب الله بتقرير هذه الحقيقة، مجردة من الحجة الدالة على صدقها، بل عقب عليها بما يكشف السر فيها، فبين أن أكثرية الناس إنما يكتفون في أحكامهم وتصرفاتهم بمجرد الظنون والأوهام، ولا يجدون لا من سعة من الوقت، ولا من سعة الفكر، ما يساعدهم على أن يتبينوا وجوه الضعف فيما يقال لهم وما يعرض عليهم من الآراء الملتوية، والأهواء المستعصية، فينقادون بسهولة لمن يوحون إليهم بتلك الآراء المدخولة، والأفكار المعلولة، من شياطين الإنس والجن، ويسايرون تيار الضلال والتزوير على غير علم، ودون أن يكونوا على بينة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون، إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير