ويقول الحق بعد ذلك :
وهذا صراط ربّك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون ( ١٢٦ ) :
و " هذا " مقصود به ما تقدم من آيات. من كتاب الإسلام وهو القرآن، وذلك ما يشرح الصدر القابل للإيمان، والقرآن هو الحامل لمنهج الإسلام ؛ فمرة تعود الإشارة إلى القرآن أو إلى الإسلام. وليس هناك خلاف بين القرآن والإسلام
وهذا صراط ربّك مستقيما . و " الصراط " هو الطريق السوي، والطريق السوي قد يكون مع استوائه معوجا لكن هذا الطريق مستو ومستقيم، ونعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق الموصلة للغاية. وعلى هذا فصراط لا تغني عن مستقيم، ومستقيم لا يغني عن صراط، بل لا بد من صراط معبد ومستقيم ليكون أقصر طريق إلى الغاية وبلا متاعب، إننا نحن البشر نرى المهندسين وهم يقيسون الأبعاد والمسافات والغايات والبدايات والنهايات، وبعد ذلك يربطون البدايات بالغايات.
إنهم يحضرون آلات معينة ليرصدوا استقامة الطريق وكيفية تمهيده. وقد يعترض استقامة الطريق عقبات صعبة شديدة كأداء كجبل مثلا، فيقوم المهندسون إما بنحت نفق في الجبل ليضمنوا له الاستقامة، وإما بأن يحني الطريق ليضمنوا جودة تعبيد الطريق. فإن جاء المهندسون وقالوا نمشي من هنا لنضمن استقامة الطريق فإننا نفعل ذلك. وإلا جعلوا الطريق متعرجا أو حلزونيا ؛ وذلك ليتفادى السائر العقبات التي ليس له قدرة عليها.
لكن إذا كان الصراط قد مهده رب، أتوجد له عقبة ؟ طبعا لا، إذن فهو طريق مستقيم. ولنلحظ أنه سبحانه قال : صراط ربّك أي أنه جاء بها من ناحية الربوبية عطاء الرب، إنه سيد، ومرب وخالق الخلق ويضمن لهم ما يعينهم على مهمتهم في الوجود معونة ميسرة سهلة. وهكذا نعرف أن طريق الحق هو الصراط المعبد المستقيم، أي الذي يصل بين البداية والنهاية. فإن كان الطريق الذي نتبعه مستقيما ومعبدا، وسهلا، فلماذا لا نتبعه ؟
وهذا صراط ربّك . ونلحظ أنه سبحانه قد أسند الرب لمحمد، أي من أجل خاطره جعل الصراط مستقيما ؛ لأنه سبحانه هو المتولي لربوبيتك يا محمد، وسبحانه رب الكون كله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عين أعيان الكون.
وهذا صراط ربّك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون ( ١٢٦ ) ( سورة الأنعام )
" فصّلنا " أي أنّ كل شيء في هذا الكون مخلوق لما يناسبه، وكل قضية من قضايا الكون خلقها ربنا لتحقق الفائدة منها بدون مشقة، وبدون عنت. والمنهج الذي أنزله الله إنما يصلح الكون ويجعل كل شيء فيه مناسبا لمهمته ؛ لأن الله إله كل الناس وهم بالنسبة إليه سواء لأنه لم يتخذ لا صاحبة ولا ولدا. ولا يعطي سبحانه الحياة لمخلوق ويوجده في الكون، ثم يعريه من أسلحة الحركة في الحياة، ولكل إنسان سلاح من موهبة أو قدرة وبذلك تتعدد الأسلحة والمواهب والقدرات، فمن يريد أن يبني بيتا، أنقول له : اذهب إلى كلية الهندسة لتتعلم كيف ترسم البيت وتخططه ؟ أنقول له : تعلم كيف تكون فنيا وكهربائيا ونقاشا ؟ إن الفرد الواحد لا يمكن أن يتعلم كل هذه التخصصات، لذلك وزع الله المواهب على خلقه ؛ هذا عنده موهبة ليعمل لنفسه، ويعمل لغيره. وبعد ذلك يأتي غيره ليؤدي له عملا ليس له فيه موهبة بحيث يتكامل المجتمع كله ولا يتكرر أفراده.
ولو كنا تخرجنا جميعا كأطباء أو مهندسين لما نفعت الدنيا، ومن نقول عليهم : إنهم فشلوا في التعليم يقومون بأعمال في الحياة ما كنا نستطيع الحياة بدونها ؛ فقد خلقهم الله بقدرات عقلية محدودة ليهبهم قدرات أخرى تصلح في مهمات أخرى. وإن تعلم المجتمع كله تعليما لصار الهرم مقلوبا. وإن انقلب الهرم فمعنى هذا أن أجزاء منه ستكون بغير دعائم في الأرض. لذلك نجد أن هناك إعدادا عقليا أراده الحق لكل واحد من الخلق، ولا نستطيع أن نقول لكل إنسان : تعلم وتخرج في الجامعة ثم اكنس الشارع. وكن في الغد حدادا. لذلك ربط الحق كل عمل بالحاجة إليه، ومن يحسن استقبال قدر الله في نفسه يعط الله له من العمل كل الخير.
ونلحظ الآن أن من يعمل موظفا في الدولة يحيا في راتب محدود، بينهما تجد السباك يقدر عمله بأجر يحدده هو، ويبقى الويل والتعب لمن كان تقدير عمله في يد غيره.
وهذا صراط ربّك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون
وانظر كل قضية في الكون، لم يدخل ابن آدم فيها أنفه تجدها مستقيمة، ولا يأتي الفساد إلا في القضايا التي أدخل ابن آدم أنفه فيها بدون منهج الله. فإن دخلت في كل مسألة بمنهج الله يستقم الكون تماما. ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى النظام الأعلى في كونه والذي لا تدخل لنا فيه. ولا سيطرة عليه ؛ السماوات، والكواكب، والشمس، والقمر، وحركة الأرض، كل تلك الكائنات نجد أمورها تسير بانتظام، ولذلك يقول لنا الحق سبحانه :
والسّماء رفعها ووضع الميزان ( ٧ ) ألّا تطغوا في الميزان ( ٨ ) ( سورة الرحمن )
فإن أردتم أن تستقيم أموركم في شئونكم وأحوالكم الاختيارية فادخلوا فيها بمنهج الله ؛ لأن الأشياء التي تدار بمنهج الله بدون أن يتدخل فيها البشر تؤدي مهمتها كما ينبغي.
فعلى الإنسان إذن أن يتذكر كيف يأخذ من المقدمات التي أمامه ما يوصل إلى النتائج، ولابد أن يأخذ المقدمات السليمة ليصل إلى الغايات الفطرية. وأقصر الأمور أن تسأل نفسك : أنت صنعة من ؟ صنعة نفسك ؟ ! لا، هل أنت من صنعة واحد مثلك ؟ لا. وهل ادعى واحد في كون الله وما أكثر ما يدعي أنه خلقك أو خلق نفسه ؟ لا. بل أنت وهو وكل الكون من صنعة الله، فدعوا الله يقرر قانون صيانتكم، وسيظل الناس متعبين إلى أن يسلموا الصنعة إلى خالقها. وهذا صراط ربّك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون ، ولم يقل فصلنا الآيات لواحد، بل قال " لقوم " حتى إذا ما مال أو غفل واحد في الفكر يعدله غيره. وكلنا متكافلون في التذكير، وهذا التكافل في التذكير يعصم كل مؤمن من نفسه ؛ فإن حصل عندي قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى يعدله غيري. وهذه قضية كونية لو استقرأت الوجود كله وجدتها لا تتخلف أبدا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي