ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ويقول الحق بعد ذلك :
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( ١٣٢ ) :
" ولكل "، وجاءت بالتنوين أي لكلّ من الإنس والجن درجات مما عملوا، فكأن الأعمال تتفاوت ؛ فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة، لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل، أو بإخلاص المقارن للعمل والمكتسب والفاعل له، فهناك من يخلص بكل طاقته، وهناك من يؤدي عمله بنصف إخلاص، ومسألة الإخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم مبلغا عن رب العزة هذا الحديث القدسي :( الإخلاص سر من سري أستودعه قلب من أحببت من عبادي )١.
إذن فمقاييس الإخلاص لا يعرفها إلا الله ربنا سبحانه وتعالى، وعلى مقدار ذلك تكون الدرجات. وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه الله عليه ؛ فالحق قد فرض صلوات خمسا، فيزيد العبد عشر ركعات في الليلة مثلا. والله قد فرض الصيام شهرا، فيصوم العبد يومي الاثنين والخميس.
والذي يقف عند ما فرض الله يجازيه الله على إخلاصه في أداء ما عليه، وحينما سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقف الذي لا يؤدي إلا الفروض فقط قال له : " أفلح إن صدق " ٢، فالذي يزيد عما فرض الله من جنس ما فرض الله أشد فلاحا. ولا يصل الإنسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحا إلا إذا كان في درجة أعلى، وكلمة " درجات : تفيد العلو، وكلمة " دركات " تفيد الهبوط، والحق لا يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لأي عبد.

١ رواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي بن أبي طالب..
٢ رواه النسائي والبيهقي في السنن الكبرى..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير