ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون١٣٢ ( الأنعام : الآية ١٣٢ ).
قرأه عامة القراء، غير ابن عامر : عما يعملون وقرأه ابن عامر عما تعملون والمعنى واحد.
وقوله ( جل وعلا ) : ولكل درجات مما عملوا التنوين : تنوين عوض. أي : ولكل الناس من كافرين ومؤمنين على التحقيق. خلافا لمن خصه بالكافرين. لكل واحد منهم درجات.
والدرجات : جمع الدرجة، وهي المرتبة والمنزلة. أي : لكل عامل مطيع وعاص، لكل واحد من المطيعين والعاصين درجات. أي : منازل ومراتب يستحقونها بأعمالهم، فمنهم من هو بدرجته في أعلى الجنان، ومنهم من هو بأعماله في دركات النار، وقد بين ( جل وعلا ) أن الآخرة يتفاوت أهلها بدرجاتهم، كما في قوله : وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ( الإسراء : الآية ٢١ ) وبين أن أهل النار يتفاوتون في دركاتهم قال : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ( النساء : الآية ١٤٥ ) وفي القراءة الآخرة : في الدرك الأسفل من النار فهم يتفاوتون، ففي أعمال أهل الشر تفاوت، وتتفاوت بها منازلهم في النار. ولأعمال أهل الخير تفاوت، تتفاوت بها منازلهم في الجنة. وهذا معنى قوله : ولكل درجات مما عملوا .
والآية فيها موعظة عظيمة، يعني : أيها المخاطبون ما دمتم في دار الدنيا فاعلموا أن الدركات في النار والدرجات في الآخرة إنما تنال بالأعمال في الدنيا، فراقبوا الله واجتهدوا في أن تكون أعمالكم صالحة، لأن تكون درجاتكم ومنازلكم في الجنة عالية. وكذلك يحذر من أن تكونوا في دركات النار –والعياذ بالله- وهذا معنى قوله : ولكل درجات مما عملوا .
وما ربك بغافل عما يعملون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و( ما ) نافية، والباء في قوله بغافل هي لتوكيد النفي، لأن للإسناد الخبري المنفي توكيدا كما للإيجابي توكيدا، فلو قلت مثلا :" زيد قائم ". فهذا ليس فيه توكيد، ولو قلت في الإثبات :" إن زيدا لقائم ". فقد أكدت إثبات قيامه ب( إن ) واللام. ولو قلت :" مازيد بقائم ". فقد أكدت نفي قيامه ب ( الباء )، والباء في النفي تفيد التوكيد الذي تفيده( إن ) في حالة الإثبات. وهي توكيد للنفي، والجار والمجرور في مثل هذا هو مفرد، وليس بشبه جملة، ولذا لا يقدر له الكون ولا الاستقرار، فلا يجرى على قول ابن مالك :

وأخبروا بظرف أو بحرف جر ناوين معنى( كائن ) أو( استقر )
فهذا لا يقدر فيه كون ولا استقرار، لأنه مفرد زيدت به( باء ) للتوكيد، ليس بشبه جملة.
والغفلة هي : الغفلة عن الشيء وخروجه عن الذهن للاشتغال بغيره، فالله لا يغفل عما يعمله الظلمة، فهو( جل وعلا ) لا يغفل عن شيء، ولكنه يمهل ولا يهمل. وقد نهى الله خلقه أن يظنوا به هذه الغفلة، قال : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار٤٢ ( إبراهيم : الآية٤٢ ) يعني : على قوله : وما ربك بغافل عما يعملون ( الأنعام : الآية ١٣٢ ) ليس بغافل عما يعملونه من الكفر، فهو مدخره لهم، ومخلدهم به بالنار، وما ربك بغافل عما يعملون ليس الله غافلا عما تعملون أيها المسلمون من الخير والحسنات، فهو مدخره لكم ومجازيكم عليه، فجميع الأعمال تحفظ عند الله، لا يغفل عن شيء منها، يجازي بها أهلها يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وهذا معنى قوله : ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ١٣٢ ( الأنعام : الآية ١٣٢ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير