ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون١٤٨ ( الأنعام : الآية ١٤٨ ).
هذه الآية الكريمة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر فيها عن أمر غيب، ثم تحقق ذلك الغيب طبقا لما ذكر، قال : سيقول الذين أشركوا ذكر أنهم سيقولونه في المستقبل، وهو أمر غيب، ثم بين الله أن إخباره عن ذلك الغيب وقع كما قال، بينه في ( النحل )و( الزخرف )، حيث قال في ( النحل ) : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ( النحل : الآية ٣٥ ) وقال في ( الزخرف ) : وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( الزخرف : الآية٢٠ ) فتحقق ما قال : إنهم سيقولونه.
وهذه شبهة جاء بها الكفار-عليهم لعائن الله- وتمسك بها المعتزلة، فهذه الآية محط رحال عند المعتزلة في أن العبد يخلق عمل نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها- سبحانه وتعالى عن قولهم وافترائهم- وكلام الزمخشري في هذه الآية في غاية الخبث والقبح، لأنه يزعم أن هذه الآية تبريء الله وتنزهه من أن يكون شيء من الشر بإرادته أبدا، وأن جميع الشر بإرادة العباد. في كلام قبيح خبيث.
ولما أفحم القرآن الكفار في تحريم ما حرموه بالأدلة والمناظرات، حيث قال : قل ألذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ( الأنعام : الآية ١٤٣ ) وأفحمهم بالحجة في أنه لم يحرم هذا، وأفحمهم أنه ليس له شركاء، قال : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ( الأنعام : الآية١٤١ ) وهو الخالق الصانع المدبر الذي لا حرام إلا ما حرمه، ولا حلال إلا ما أحله، ولا معبود إلا هو، لما أفحمتهم الأدلة، وألقمتهم البراهين الحجر[ قالوا كلمة ] ( في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل. وما بين المعقوفتين[ ] زيادة يتم بها الكلام ) حق أرادوا بها باطلا، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الكفر والتحريم، وتحريم البحائر والسوائب، وهذه الأنعام والحرث التي قلنا : إنها حجر، وهذا جعل النصيب لغير الله، هذا الكفر، لأنه قوي ونحن الضعفاء، فهو قادر جدا على أن يمنعنا، فلما كان قادرا على منعنا ولم يمنعنا عرفنا أنه راض بفعلنا، لأنه إن رآك تفعل شيئا قبيحا وهو قادر على أن يمنعك وتركك تفعله، ولم يمنعك منه، معناه : أنه راض بفعلك، وأنه حسن عنده ! هذا مقصودهم- قبحهم الله- كما أنهم لما قيل لهم : تصدقوا على المساكين ! قالوا : الرزق أكثر عند الله، وهو الذي خلقه، والطعام أكثر عنده، فلو كان يحب أحدا أن يطعمه لأطعمه هو ! كما يأتي في ( يس ) في قوله : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ( يس : الآية ٤٧ ) فقد احتجوا بهذه الحجة الباطلة، والكلام الذي هو من جهة حق أريد به الباطل لو شاء الله قالوا : نعم، إن شركنا كفر، وأنه مودي للنار، وإن ما حرمنا تحريم افتراء على الله، وأنا ندخل به النار، هذا الذي فعلنا بمشيئة الله، لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشركنا، ولو شاء أن لم نحرم شيئا ما حرمنا شيئا، فلما كان قادرا على منعنا ولم يمنعنا دل ذلك على أنه راض بفعلنا، ولذا قالوا : لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشراكنا ولا آباؤنا يعني : ولا أشرك آباؤنا. وإنما سوغ العطف هنا على ضمير الرفع المنفصل : الفصل بين العطف والمعطوف ب( لا )، وهو مذهب الكوفيين، وهو صحيح، لأن القرآن جاء بمذهب الكوفيين هنا، وفي مذهب البصريين في ( النحل )، لأن مذهب البصريين : أن ضمير الرفع المتصل لا يعطف عليه إلا في الإتيان بضمير رفع منفصل ك( نحن ) في قوله في ( النحل ) : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ( النحل : الآية ٣٥ ) والكوفيون يقولون : يكفي أي فاصل و( لا ) هنا فاصلة، فهي تكفي. وهو الحق، لأن القرآن نزل به.
ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ( الأنعام : الآية ١٤٨ ) يعني هذا التحريم الذي فعلنا، والشرك الذي فعلنا، هو بمشيئته، ولو شاء لمنعنا، فلما لم يمنعنا عرفنا أنه راض بفعلنا. وهذه الجمل، قولهم منها : لو شاء الله ما أشركنا هذا كلام صحيح لا شك فيه، ولكنه كلام حق أريد به باطل، لأنهم يزعمون أنه لما كان قادرا على منعهم ولم يمنعهم أن ذلك رضا منه، والله يقول : ولا يرضى لعباده الكفر ( الزمر : الآية٧ ) فهو لا يرضى بذلك الفعل بل يدخلهم به النار. وحاصل هذا : أن الكفار احتجوا بأن الله قادر على أن يمنعهم [ من الوقوع فيما وقعوا فيه ] ( في هذا الموضع وجد مسح في التسجيل. وما بين المعقوفتين[ ] زيادة يتم بها الكلام ) من الشرك وتحريم ما حرموا، دل ذلك على أنه راض بذلك. فالله كذبهم في هذه وقال : إن عدم منعه لهم مع قدرته على ذلك لا يدل على رضاه، لأن الله( جل وعلا ) يأمر خلقه جميعا بالدعوة، ويوفق من شاء، ويخذل من شاء، فالذي وفقه للخير يرضى بفعله، والذي لم يوفقه للخير لم يرض الله( جل وعلا ) بالكفر، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا، فالله ( جل وعلا ) قد أراد كونا وقدرا كفر الكافرين، لأن الله يقول : ولو شاء الله ما أشركوا ( الأنعام : الآية ١٠٧ ) ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ( السجدة : الآية ١٣ ) ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( الأنعام : الآية ٣٥ ) وهذا الكفر بمشيئته ولكنه ليس يرضاه، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا، وإنما يستلزم الرضا : الإرادة الشرعية الدينية، فما أحبه الله شرعا، ورضيه دينا، وأراده دينا هذا هو الذي يلازم الرضا. أما الإرادة الكونية القدرية فإنها لا تستلزم الرضا، فقد يريد الله كونا وقدرا ما يرضاه، كإيمان المؤمنين، وقد يريد كونا وقدرا ما لا يرضاه ككفر الكافرين، وقد بينا احتجاج المعتزلة بهذا، وذكرنا بعض المناظرات التي توضح هذا. والحاصل أن الله تبارك وتعالى خلق خلقه، وسبق في سابق أزله أن قوما صائرون إلى الجنة، وقوما صائرون إلى النار، ثم إن الله صرف بقدرته وإرادته قدرهم وإرادتهم إلى ما سبق به العلم الأزلي، فأتوه طائعين : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وقد بينا أن عبد الجبار المعتزلي لما جاء يتقرب بهذا المذهب ويقول : " سبحان من تنزه عن الفحشاء ". يعني : أن الله لا يشاء السرقة والزنى، لأنهم يزعمون-في زعمهم الباطل- أن الله أكرم، وأنزه، وأجل من أن تكون هذه القبائح بمشيئته، ولذا قال معبرا عن هذا :" سبحان من تنزه عن الفحشاء ".
فناظره أبو إسحاق الإسفراييني فقال :" سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ".
فقال عبد الجبار : " أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه " ؟
فقال أبو إسحاق :" أتراك تفعل جبرا عليه، أأنت الرب وهو العبد " ؟
فقال عبد الجبار :" أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، دعاني إلى الخير، وأوضح لي طريق الخير، ولكن سد بابه دوني، أتراه أحسن إلي أم أساء " ؟ !
قال : " إن كان الذي منعك حق واجبا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، وإن ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل ". فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون :" والله ما لهذا جواب ".
وهذه المسألة بعينها هي التي ذكرنا أن البدوي الجاهل أسكت بها كبير المعتزلة عمر بن عبيد المشهور، الذي رثاه أبو جعفر المنصور، لأنه لما سرقت له دابة كان يعمل عليها، فجاء لعمرو بن عبيد فقال : ادع الله أن يردها لي. قالوا : إنه قام يتقرب بهذا المذهب فقال : اللهم إنها سرقت، ولم ترد سرقتها، لأنك أكرم، وأجل، وأنزه من أن تريد هذه الخسيسة القبيحة ! فالبدوي الجاهل قال له : ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد ! فهم حاولوا أن ينزهوا الله عن أن تكون القبائح بمشيئته فقدحوا في قدرته وإرادته، وجعلوا الخلق يفعلون شيئا بلا قدرة الله ولا إرادته، أرادوا أن ينزهوه فقدحوا في ربوبيته- والعياذ بالله- فمن كان منهم حسن الظن فقد وقع في أمر عظيم، ومن كان سيء الظن فهو سيء الظن، والإنسان قد يحسن الظن ويريد البر ويقع في آثام عظيمة كبيرة، وقد قال الشافعي رحمه الله :

رام نفعا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا
والحاصل أن الله ( تبارك وتعالى ) أعلم بخلقه، فخلق خلقه، وقدر مقادير الكائنات قبل أن يخلقها، ثم إنه خلق قوما جبلهم على القبح، والخساسة، والخبث-والعياذ بالله- وخلق قوما جبلهم على الطهارة، ويسر كلا لما خلقه له، فصرف الطيبين- صرق قدرتهم وإرادتهم- بقدرته وإرادته إلى ما شاء من خير، فأتوه طائعين، فأدخلهم جنته، وصرف قدرة قوم آخرين وإرادتهم بمشيئته وقدرته إلى ما سبق به علمه فأتوه طائعين فدخلوا النار وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ( الإنسان : الآية ٣٠ ). فالله ( جل وعلا )يصرف قدر الخلق وإرادتهم حتى يأتوا ما سبق به العلم الأزلي، يأتوه طائعين، ولذا قال صلى الله عليه وسلم :" كل ميسر لما خلق له ".
ولا شك أن الجاهل يقول هنا : ما الحكمة عند الله وهو الرؤوف الرحيم الكريم أن يخلق قوما ويجبلهم على الخبث، ويصرف إرادتهم إلى ما يستوجبون به العذاب الأليم مع أنه الرحمن الرحيم ؟ ؟.
هذا سؤال إلحادي قد يقع في قلوب كثيرة من الملاحدة.
والجواب عن هذا : إن خالق السموات والأرض، الجبار( جل وعلا )، غني عن جميع الخلائق، غنى بذاته الغنى المطلق إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ( إبراهيم : الآية٨ ) وإنما خلق الخلق ليظهر فيهم بعض أسرار عظمته، وأسرار أسمائه وصفاته، فلو لم يخلق إلا المطيعين، ولم يكن- أبدا- إلا الثواب كان ذلك إدلالا عليه، وسببا للجراءة على الجناب الكريم، لأن الذي لا يخاف يدل بمحبته، وقد يقع في الجناب الأعظم بما لا يليق، ولما خلق قوما أشقياء ظهر فيهم ما عنده من الإنصاف والحكمة البالغة، وظهر فيهم بعض أسرار أسمائه كالجبار، والقهار، وظهر فيهم عظمته، وقوته، وشدة عقابه ونكاله، ليحصل الخوف من جانب، خلق قوما آخرين ووفقه إلى الخير، ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته، من الرأفة، والرحمة، والحلم، والكرم، والجود، ليجمع بين المحبة والخوف، فلو كانت محبة لا خوف فيها لكان لا عظمة في القلوب، ولوقع الناس في الجناب الإلهي، ، لأنهم لا يخافون من شيء. ولو كان خوفا محضا لا محبة معه ولا رحمة لكان الكل يمقتون الله ويكرهونه، وكان ذلك غير لائق، فاقتضت الحكمة أن يقسم الخلق إلى صنفين، ليظهر في هؤلاء بعض أسرار أسمائه وصفاته، من الرأفة، والرحمة، والكرم، والجود، وجبل قوما آخرين على خلاف ذلك، ليظهر فيهم بعض أسرار صفاته وأسمائه من القوة، والبطش، والقهر، والعظمة، والجلال- سبحانه وتعالى- وله الحكمة البالغة في ذلك، وقد خلق خلقا وقال : هؤلاء للنار ولا أبالي، وخلق قوما وقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي.
يقول الله جل وعلا : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون١٤٨ ( الأنعام : الآية ١٤٨ ).
قذ ذكرنا بالأمس أن الكفار –قبحهم ا

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير