ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

٥٩٨- استثناء مفرغ لوقوعه بين الفعل والمجرور الذي هو في معنى المفعول. وفيه أسئلة، وهي : أن الكسب يكون خيرا للنفس ويكون شرا عليها، وإذا كان منقسما قسمين : لها وعليها، كيف ينحصر كله فيما هو عليها ؟ وكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ١، فجعل " ما كسبت " كله لها لا عليها، وجعل الذي هو عليها ما اكتسبته لا ما كسبته ؟ وما المستثنى منه هاهنا ؟
والجواب : أن هذه الآية ما يعلم هذا الاستثناء فيها ومعناه إلا من جهة العلم بسببها، خرّج المفسرون أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد، ارجع إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتحمل عنك كل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت الآية ردا عليهم.
فيكون معناه يتقرر بطريقتين :
أحدهما : أن يكون معناه : " ولا تكسب كل نفس شرا أو إثما إلا عليها لا يتعداها إلى غيرها، فما ذكرتموه من التحمل لا يفيد " كقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ٢ أي : لا تحمل نفس حاملة نفس أخرى : لأن الوزر هو الثقل، ومنه قوله تعالى : حتى تضع الحرب أوزارها ٣ أي أثقالها. وقوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ٤ أي : " ثقلك الذي فوق ظهرك "، وهو طلبه قبل البعثة شريعة يتقرب بها إلى الله تعالى فلم يجدها حتى جاءه الوحي. ومنه الوزارة لأن الوزير يتحمل أثقال الدولة. وتحتمل الوزارة معنى آخر، وهي أن تكون مأخوذة من الوزر بتحريك الزاي المنقوطة، وهو الملجأ. ومنه قوله تعالى : كلا لا وزر ٥ أي : لا ملجأ.
وتحتمل الآية معنى آخر وهو أن يكون تكسب كل نفس مضمنا معنى تجني، أي : " ما تجني كل نفس إلا عليها ".
وعلى التقديرين استقام حصره فيما هو عليها، وظهر وجه الجمع بينه وبين الآية الأخرى، فإن الآية الأخرى أشارت إلى القسمين : الخير والشر، وهذه ليس فيها إلا الشر خاصة.
وأما " كسب " و " اكتسب " فالفرق بينهما في لغة العرب أن التاء تدل التكلف والمشقة والشرور ومواطن الحرج، فلذلك جيء فيها بالتاء، فقيل : اكتسب، ويجوز " كسب " أيضا نظرا لعموم الكسب، وهو الفعل والاختراع والتحصيل.
وكانت تلك الآية أولى بذكر اكتسب لأن مقصودها ذكر القسمين المتضادين : الخير والشر، فذكر كل واحد منهما بما هو أخص به من اللفظ. وهاهنا لم يذكر إلا قسما واحدا وهو الشر، وقد عرض عن التاء لفظ " على " في قوله : عليها ، وهي مشعرة بالمكروه، تقول : " شهد له وشهد عليه " فاللام للنفع و " على " لشهادة المضرة.
وأما المستثنى والمستثنى منه في هذه الآية، فهو المفاعيل الذين هم مجني عليهم مثل المنطوق به. ( الاستغناء : ١٨٩- إلى ١٩١ )

١ - سورة البقرة: ٢٨٥..
٢ - سورة الأنعام: ١٦٦..
٣ - سورة محمد: ٤..
٤ - سورة الشرح: ٢-٣..
٥ - سورة القيامة: ١١..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير