في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعلن أن الله قد هداه إلى طريق قويم، وهو الدين المستقيم طريق إبراهيم وملته الذي كان موحدا حنيفا ولم يكن مشركا. وبأن يعلن أيضا أن صلاته وخشوعه وعبادته ونسكه ومحياه ومماته وكل أمر من أموره هو لله رب العالمين لا شريك له، وأنه أمر بذلك وهو أول المسلمين أنفسهم لله. وبأن يتساءل تساءل المنكر عما إذا كان يصح أن يتخذ غير الله ربا له ورب كل شيء. وبأن يعلن أن كل امرئ إنما هو مسؤول عما يقترف ويكسب. ولا يتحمل أحد تبعة أحد وإثمه، ومرجع الجميع إلى الله الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ويحاسبهم عليه من حيث إنه هو الذي خلقهم وجعلهم خلائق في الأرض ورفع بعضهم فوق بعض ليختبرهم فيما يسره لهم ومكنهم فيه، كلا بحسبه، ومن حيث هو سريع العقاب على الذين يستحقون عقابه، غفور رحيم للتائبين المؤمنين.
ولم نطلع في كتب التفسير على رواية خاصة بنزول الآيات. والمتبادر أنها استمرار للسياق ومتصلة به. وقد جاءت خاتمة قوية لفصول المناظرة القائمة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين، وخاتمة قوية للسورة في ذات الوقت. وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها بإعلان خصومه أن الطريق قد وضح والحجة قد قامت، وأنه على ملة إبراهيم المستقيمة التوحيدية وأول من يسلم نفسه لله وأن من يضيع الفرصة الآن فقد لا تواتيه في المستقبل ولن تنفعه إذا ما حل فيه أمر الله ولا يستطيع أحد أن يحمل إثمه ووزره.
تعليق على آية
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا
والآية التالية لها
وهذه هي المرة الأولى التي ذكر فيها أن الملة التي هدى الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها هي ملة إبراهيم. وقد ذكرت في آيات سابقة ملة إبراهيم بوصفه حنيفا غير مشرك في سياق الحديث عن إبراهيم نفسه ثم تكرر هذا وذاك في آيات أخرى مكية ومدنية.
ولقد ذكرت الروايات٢ أن فريقا من العرب كانوا يتحدثون عن ملة إبراهيم قبل البعثة ويصفونها بالحنيفية ويتعبدون عليها منهم زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة وأبو عامر الأوسي المشهور بالراهب ثم بالفاسق، ومها يكن من أمر الروايات فإن تكرر ذكر ملة إبراهيم في آيات مكية وإعلان كون الله قد هدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها في هذه الآية يمكن أن يسوغا القول بجزم إن ملة إبراهيم كانت تتردد على ألسنة العرب فجاءت هذه الآية وأمثالها لتقرر بصورة حاسمة أنها هي التوحيد المنافي للشرك ولترد على مزاعم المشركين الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم، ويمارسون تقاليدهم باسمها في حين أنهم مشركون وأن تقاليدهم مشوبة بشوائب الشرك، ولتعلن أن هذه الملة هي التي هدى الله نبيه إليها، ولتهتف بمن يريد أن يتبعها حقا أن يتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستجيب إلى دعوته، ولتأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعلان إسلامه إلى رب العالمين وحده بهذه الصيغة القوية النافذة.
تعليق على جملة
ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم
هذا، وقد توهم جملة ورفع بعضهم فوق بعض درجات أنها بسبيل إقرار تفاضل الناس الطبقي. والذي يتبادر لنا أنها بسبيل تقرير واقع أمرهم في الدنيا وكونه ناموسا اجتماعيا عاما نشأ من طبيعة الاجتماع التي أودعها الله بني آدم ونتيجة لتفاوتهم في المواهب والنشاط والكسب وليست إقرارا للتفاضل بين الناس بدليل أن ذلك ليس مستقرا وإنما هو متقلب متداول بين جميع الناس حسب تقلب وتبدل الظروف والمواهب والأسباب. ثم بسبيل تنبيههم إلى أنهم معرضون في تفاوتهم إلى اختيار الله تعالى وواجبهم نحوه ونحو الناس، فمن آمن وأصلح واتقى وعرف حده وأدى واجبه له الرحمة والغفران، ومن كفر وأفسد وبغى فله العقاب الشديد. وفي هذا ما فيه من عظة وتلقين جليل مستمر المدى وهذا هو المتسق مع آيات القرآن الأخرى ومبادئه العامة التي لا تقر التفاضل إلا في التقوى والمكارم والإخلاص والعمل الصالح وتعتبر الناس والمسلمين بخاصة طبقة واحدة متساوية في الحقوق والواجبات نحو الله والناس.
وفي سورة الزخرف آية فيها نفس العبارة مع تعليل للناموس الاجتماعي الذي أقام الله عليه الاجتماع البشري الذي منه ذلك المظهر الدنيوي الواقعي أي اختلاف الناس، وهو أن ذلك هو لتبادل المنافع والخدمات بين الناس وهذا نصها : أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [ ٣٢ ].
وفي سورة الحجرات آية تقرر تساوي الناس في أصلهم وحياتهم وحصر الفضل بينهم بالتقوى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ ١٣ ].
وفي السورة نفسها آية تقرر الأخوة العامة بين المسلمين إنما المؤمنون إخوة [ ١٠ ] حيث تمنع التفاضل الطبقي بين المسلمين. ومن الموانع القرآنية بالنسبة للمسلمين بخاصة الآيات [ ٥١- ٥٤ ] من هذه السورة التي مر شرحها بما يغني عن التكرار.
وهناك أحاديث عديدة في الكتب الخمسة وغيرها فيها توكيد على الأخوة الإسلامية. منها هذا الحديث الرائع الجامع الذي رواه الشيخان والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبغ بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه )٣
التفسير الحديث
دروزة