بسم الله الرّحمن الرّحيم
تفسير سورة الأنعامقال ابن عبّاس: نزلت سورة الأنعام، وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح «١».
قلت: وعن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لقد شيّع هذه السّورة من الملائكة ما سدّ الأفق». رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ». وقال: صحيحٌ على شرط مسلم «٢». انتهى من «السلاح».
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.
قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية» : قال الإمام الفَخْرُ «٣» : لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يقال إلا في حقّ الله عز وجل لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ. قاله سيبويه.
وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس أن النبيِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ حال» «٤».
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٤- ٣١٥)، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٧٠) رقم (٢٤٣١) من طريق جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن عبد الرّحمن، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم، فإن إسماعيل هذا هو السدي وتعقبه الذهبي فقال: ولم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا.
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣)، وزاد نسبته إلى الإسماعيلي في «معجمه».
(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١١٨، ١١٩).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٤٧- ٢٤٨) برقم (٤٢٥٦) عن أنس بن مالك به. -
قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها» «١». انتهى.
قال ع «٢» : وجَعَلَ هاهنا بمعنى: «خلق»، ولا يجوز غَيْرُ ذلك.
قال قتادة، والسُّدِّيُّ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار.
وقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان.
قال/ ع «٣» : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ.
وقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله.
والَّذِينَ كَفَرُوا في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.
وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ.
وقوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: أَجَلًا أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته،
وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٣/ ٣٥) رقم (٢٨١٢) وعزاه إلى أبي بكر، وأحمد بن منيع، والحارث، وأبي يعلى.
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٤٣) برقم (١٣٠٤٣) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦)، وعزاه لابن جرير.
(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٦٥).
(٣) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٦٦).
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي
عادل أحمد عبد الموجود