قوله : وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من تتأتى منه الرؤية. وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، كما ذكره علماء المعاني، و وُقِفُواْ معناه حبسوا، يقال وقفته وقفا ووقف وقوفاً، وقيل : معنى وُقِفُواْ عَلَى النار أدخلوها، فتكون «على » بمعنى «في ». وقيل هي بمعنى الباء : أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها، ومفعول ترى محذوف، وجواب «لو » محذوف، ليذهب السامع كل مذهب، والتقدير : لو تراهم إذا وقفوا على النار لرأيت منظراً هائلاً وحالاً فظيعاً فَقَالُواْ يا ليتنا نُرَدُّ أي إلى الدنيا وَلاَ نُكَذّبَ بآيات رَبّنَا أي التي جاءنا بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين بها العاملين بما فيها، والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين، برفع الأفعال الثلاثة كما هي قراءة الكسائي وأهل المدينة، وشعبة، وابن كثير، وأبي عمرو.
وقرأ حفص، وحمزة، بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني، واختار سيبويه القطع في وَلاَ نُكَذّبَ فيكون غير داخل في التمني، والتقدير : ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب، أي لا نكذب رددنا أو لم نردّ، قال : وهو مثل دعني ولا أعود، أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله : وَإِنَّهُمْ لكاذبون لأن الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ابن عامر وَنَكُونَ بالنصب، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، وقرأ أبيّ «وَلاَ نُكَذّبَ بآيات رَبّنَا أَبَدًا » وقرأ هو وابن مسعود «يا ليتنا نُرَدُّ فلاَ نُكَذّبَ » بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج، وقال أكثر البصريين : لا يجوز الجواب إلا بالفاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة : انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ قال : باعتذارهم الباطل وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قال : ما كانوا يشركون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ قال : قريش، وفي قوله : وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً قال : كالجعبة للنبل. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْراً قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي لا تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : الغطاء أكن قلوبهم أن يفقهوه، والوقر الصمم، و أساطير الأولين أساجيع الأوّلين. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال : أساطير الأوّلين : أحاديث الأوّلين. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : أساطير الأوّلين : كذب الأوّلين وباطلهم.
وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قال : نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يردّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء به. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن القاسم بن مخيمرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال : ينهون عنه الناس أن يؤمنوا به، وينأون عنه : يتباعدون. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفيّ عنه قال : لا يلقونه ولا يدعون أحداً يأتيه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن الحنفية، في الآية قال : كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال : ينهون عن القرآن، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه يتباعدون عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي هلال، في الآية قال : نزلت في عمومة النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشدّ الناس معه في العلانية، وأشدّ الناس عليه في السرّ. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ قال : من أعمالهم وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ يقول : ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم، أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : أخبر الله سبحانه أنهم لو ردّوا لم يقدروا على الهدى، فقال : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ أي ولو ردّوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أوّل مرّة، وهم في الدنيا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني