المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه فيما سلف أنه قادر أن ينزل الآيات إذا رأى من الحكمة والمصلحة إنزالها، ولا ينزلها للتشهي والهوى كما يراه المقترحون من أولئك الضالين المكذبين ـ ذكر ما هو كالدليل على ذلك، فأرشد إلى عموم قدرته تعالى وشمول علمه وتدبيره، وأن كل ما يدب على وجه الأرض أو يطير في الهواء فهو مشمول بفضله ورحمته، فلو كان في إظهار هذه المعجزات مصلحة للمكلفين لفعلها، ولامتنع أن يبخل بها، إذ أنكم ترون أنه لم يبخل على شيء من الحيوان بمنافعها ومصالحها.
الإيضاح : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات أي والكافرون الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على وحدانيتنا وصدق ما جاء به رسولنا تكذيب جحود واستكبار أو تكذيب جمود على تقليد الآباء صم لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع قبول، بكم لا ينطقون بما عرفوا من الحق، وهم يتخبطون في تلك الظلمات الحالكة، ظلمة الوثنية، وظلمة تقليد الجاهلية، ظلمة الجهل والأمية.
من يشأ الله يضلله أي من تعلقت مشيئته بإضلاله يضله كما أضل هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى.
وإضلاله إياهم جاء على مقتضى سننه في البشر، أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه وإن ظهر له أنه الحق، وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلانها وإثبات خلافها ما دام مغرورا بها مكبرا لمن جرى من الآباء عليها.
ومن يشإ يجعله على صراط مستقيم أي ومن يشأ هدايته يجعله على طريق مستقيم هو طريق الحق الذي لا يضل سالكه، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله، استعمالا يعرف به الحق ويعرف به الخير، ويعمل به بحسب سننه تعالى في الارتباط بين الأعمال البدنية والعقائد النفسية.
تفسير المراغي
المراغي