ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

والذين كذبوا بئاياتنا صم وبكم في الظلمات المعنى أن الذين كذبوا بآيات الله – كالذين جحدوا هذا الوحي المنزل ( القرآن العظيم )، وزعموا أنه شعر، أو سحر، أو كهانة، أو أساطير الأولين، ونحو ذلك – قال الله فيهم : إنهم صم بكم.
الصم : جمع الأصم. وقد تقرر في فن التصريف : أن صيغة ( أفعل ) إذا كانت صفة مشبهة، وكذلك أنثاها ( فعلاء ) ينقاس جمع كل منهما تفسيرا على ( فعل )، كالأصم والصم، والأعمى والعمي، والأبكم والبكم، والأحمر والحمر، إلى غير ذلك.
ومعنى صم : أنهم صم عن سماع الحق وإن كانوا يسمعون غيره. كما بينا أنه قال عن المنافقين : صم بكم [ البقرة : آية ١٨ ] فحكم عليها بالبكم مع أنه يقول فيهم : فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد [ الأحزاب : آية ١٩ ] ومن أين للبكم أن تكون لهم الألسنة الحداد ؟ وقال في المنافقين : وإن يقولوا تسمع لقولهم [ المنافقون : آية ٤ ] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، مع أنه يحكم بأنهم بكم.
وهذا ( الصمم ) وهذا ( البكم ) المراد به : أنهم صم عن سماع ما يقربهم إلى الله ويدخلهم الجنة، وإن سمعوا غيره، بكم عن النطق بالحق وإن تكلموا بغيره.
والعادة المعروفة في العربية : أنهم يطلقون على قليل الجدوى اسم ( لا شيء ). وأنهم يطلقون على السماع الذي لا فائدة فيه، اسم :( الصمم ). ومنه قول قعنب ابن أم صاحب :

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
ومعنى ( أذنوا ) : أنصتوا بآذان صاغية. فهو يقول :( صم إذا سمعوا ) يصرح بأنهم صم في الوقت الذي يصرح بأنهم يسمعون، كما في الآيات ؛ لأن السماع الذي لا فائدة فيه يطلق عليه اسم ( الصمم ) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان، قال في الكهان : " ليسوا بشيء ". نفى عنهم اسم ( الشيء ) لخساستهم وقلة فائدتهم، وهذا معروف في كلام العرب.
والذي عليه الجمهور : أن هذا الصمم والعمى في الدنيا، كما قال الله : فأصمهم وأعمى أبصارهم [ محمد : آية ٢٣ ] وقال : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة [ البقرة : آية ٧ ] وقال : أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة [ الجاثية : آية ٤٥ ].
وقد قدمنا أن هذا الصمم والعمى إنما هو من ذلك الختم الذي يضع الله على قلوبهم، الذي عبر عنه تارة ب ( الختم ) في قوله : ختم الله على قلوبهم [ البقرة : آية ٧ ] وتارة ب ( الطبع ) : بل طبع الله عليها بكفرهم [ النساء : آية ١٥٥ ] كذلك نطبع على قلوب المعتدين [ يونس : آية ٧٤ ] وعنها تارة ب ( الران ) : بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [ المطففين : آية ١٤ ] ومرة ب ( الأكنة ) : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا [ الكهف : آية ٥٧ ].
قد بينا في الدروس الماضية وجه الجواب منه عن حجة الجبرية ؛ لأنهم يقولون : " إذا كان الله جعل على قلبه الختم، وعلى عيونه [ الغشاوة ]، وجعل عليه الطبع والأكنة، ومنعه من الفهم والسماع إذن هو مجبور " ! ! وقد أجبنا عن هذا : أن الآيات القرآنية دلت بكثرة : أن ذلك الختم والطبع إنما يجعله الله عليهم بعد أن بادروا إلى الكفر، وتمردوا على الله، وكذبوا رسله، وعاندوا، ولجوا في الباطل، فعند هذا يطمس الله بصائرهم جزاء وفاقا، كما قال : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [ الصف : آية ٥ ] بأن ختم عليها وطبع، ومنعها من الخير، وقال : بل طبع الله عليها بكفرهم [ النساء : آية ١٥٥ ] أي : بسبب كفرهم، فالباء سببية، بينت أن سبب ذلك الطبع هو كفر سابق. وقال تعالى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [ الأنعام : آية ١١٠ ] أي : نقلبها كي لا تسمع الحق أو تبصره كما لم يؤمنوا به أول مرة لما سارعوا وبادروا إلى الكفر طمسنا على قلوبهم، كما بينه في قوله : بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [ المطففين : آية ١٤ ] فبين أن ذلك ( الران ) الذي غطى القلوب ومنعها من الفهم سببه ما كانوا يكسبونه من الشر، والكفر، والمعاصي – والعياذ بالله – ولذا قال تعالى هنا : صم وبكم في الظلمات قوله : في الظلمات كأنه يقول :( عمي )، ( صم بكم عمي )، إلا أنه عبر عن عماهم بكونهم في الظلمات ؛ لأن الذي هو في الظلمات لا يبصر شيئا، و الظلمات : جمع ظلمة.
وقد بينا في هذه الدروس مرارا : أن من أصعب المسائل شبهة الجبر والقدر، هي من أصعب المسائل، وأن القرآن أشار إليها في آيات ؛ لأن كثيرا من الجهلة والملحدين يقولون : " إن كان الله هو الذي يشاء أفعال العبد، وهو الخالق لكل شيء – ومنه أفعال العبد – وأفعال العبد بمشيئته، فكيف يعاقب العبد المسكين على شيء شاءه الله، وخلقه الله ؟ فالعبد إذن لا يؤاخذ بشيء " ! ! فلأجل هذه الشبهة، ضلت القدرية – والعياذ بالله – فقالوا : إن العبد يستقل بأعماله نفسه. زاعمين أن قدرة العبد مستقلة بأعماله بلا تأثير لقدرة الله فيها، ففروا من شيء ووقعوا فيما هو أعظم منه – والعياذ بالله.
وقد قدمنا في الدروس الماضية : أنه لو تناظر جبري وسني فقال الجبري مثلا : هذه الذنوب والمعاصي التي صدرت من البعيد أن الله كتبها عليه، وقدرها عليه في الأزل، وطويت الصحف، وجفت الصحف، وكان ما كان، ولا مبدل لما سبق في علم الله.
يقول البعيد : لو أردت التخلص مما سبق به العلم الأزلي لا يمكنني ذلك بحال. فيقول البعيد : أنا إذا مجبور، فكيف نعاقب ؟ وهذا فعل الله وتقديره في أزله قبل أن أولد، وما سبق في العلم فهو حتم واقع لا محالة ! !
والصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة، وقالوا : " أهو أمر مؤتنف، أو كان ما كان فيما مضى ؟ " أخبرهم أنه كان ما كان. فقالوا له : إذا لم لا نترك ونتكل على الكتاب السابق، ونترك العمل حيث فرغ من كل شيء، ومضى ما مضى ؟ فبين لهم بنكتة من جوامع الكلم، قال : " كل ميسر لما خلق له ". فهي كلمة مجملة تدل على معاني هذا بالتفصيل، فالمؤمن – مثلا – إذا ناظر الجبري يقول له : اعلم يا جبري أن جميع الأسباب الذي اهتدى بها المهتدون، وأعطاها الله لهم : أعطاك مثلها : العيون التي أبصروا بها آيات الله وغرائبه وعجائبه فآمنوا : أعطاك عينين صحيحتين مثلها، والقلوب التي فهموا بها عن الله : أعطاك عقلا صحيحا مثلها، والرسول النذير الذي أنذر الكل وخوفه وبين له : أعطاك مثله، فجميع ما أعطاهم أعطاك إياه، إلا أن الفرق بينك وبينهم في شيء واحد هو : أن الله تفضل عليهم بالتوفيق إلى ما بين لهم وأمرهم به، وأنت لم يتفضل عليك، وتفضله بالتوفيق ملكه المحض، من تفضل عليه ففضل، ومن منعه من التوفيق فعدل، كما قال جل وعلا : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [ الأنعام : آية ١٤٩ ] ملكه للتوفيق بمشيئته : حجته البالغة على خلقه، من أعطاه ففضل، ومن منعه فعدل.
وقد بينا في الدروس الماضية مناظرة عبد الجبار مع أبي إسحاق الإسفراييني في هذه المسألة ؛ لأن أبا إسحاق فهم مضمون هذه الآية، وحاج به هذا المبتدع المفتري. فجاء عبد الجبار يتقرب بمذهبهم الخسيس أن السرقة والزنى لا تكون بمشيئة الله ؛ لأن السرقة والزنى من القبائح والرذائل، وأن الله – في زعمهم – أنزه وأكرم وأجل من أن تكون هذه الخسائس والقبائح بمشيئته، فجاء عبد الجبار يتقرب إلى الله ويعبده بهذا المذهب الباطل، فقال : سبحان من تنزه عن الفحشاء ! ! يعني : أن فحش السرقة والزنى ليس بمشيئة الله.
فقال أبو إسحاق : كلمة حق أريد بها باطل ! ! ثم قال : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار : أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه ؟
فقال أبو إسحاق : أتراك تفعله جبرا عليه ؟ أأنت الرب وهو العبد ؟
فقال عبد الجبار : أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، دعاني وسد الباب دوني، أتراه أحسن إلي أم أساء ؟
فقال أبو إسحاق : أرى أن الذي منعك إن كان حقا واجبا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، إن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. وبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون : والله ما لهذا جواب ! !
وقد بينا في ما مضى القصة التي ذكروها عن عمرو بن عبيد – مع أنه من عظمائهم الأجلاء عندهم – أنه جاءه ذلك البدوي، وقال له إن حمارته أو دابته سرقت، وأنه [ يطلب منه أن ] يدعو الله له أن يردها عليه. فقام يدعو ويتقرب بهذا المذهب الباطل : اللهم إن دابته سرقت ولم ترد سرقتها ؛ لأنك أكرم وأنزه وأجل من أن تريد هذه الرذيلة القبيحة – يعني السرقة *** ! ! فالبدوي قال له : ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد، ولا ثقة لي بر ب يفعل في ملكه أشياء ليست في مشيئته، فهذا ليس برب، ولا ثقة لي به، فاكفف عني من دعائك الخبيث ! !
فحقيقة هذا الأمر أن الله ( جل وعلا ) غني عن الخلائق، / ولكنه خلق الخلق، وجبل بعضهم في الأزل على القبح والسوء، وجبل بعضهم في الأزل على الطيب والطهارة، ويسر كلا لما خلقه له، والحكمة في ذلك : أن يكون فيهم مطيعون يظهر فيهم مظاهر بعض أسماء الله وصفاته، يظهر فيهم من مظهر اسمه : الرحيم، الكريم، الغفور الجواد، إلى غير ذلك من صفات الجود، والرحمة، والمغفرة، والكرم، كما أنه شاء أن يخذل قوما آخرين، فتكون أعمالهم غير طيبة ؛ ليظهر فيهم أيضا بعض مظاهر أسمائه وصفاته من شدة البطش وقوة الانتقام، وعظمة النكال والعقاب، إلى غير ذلك. والله ( جل وعلا ) إذا خلقهم وأوجدهم يصرف قدرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي، فيأتون طائعين وما تشاءون إلا أن يشاء الله [ الدهر : آية ٣٠ ].
وقوله جل وعلا : صم وبكم في الظلمات [ الأنعام : آية ٣٩ ] جمهور العلماء على أن المراد بصممهم وعماهم وكونهم في الظلمات : أنه في دار الدنيا، والمراد به عمى أبصارهم عن الحق، وصمم أسماعهم عن الحق، وعمى عيونهم عن الحق ؛ لأنها في الظلمات – والعياذ بالله – لا تبصر شيئا، كما في قوله : صم بكم عمى فهم لا يرجعون [ البقرة : آية ١٨ ] وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بئايات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون [ الأحقاف : آية ٢٦ ] خلافا لبعض العلماء القائل : الذين كفروا في دار الدنيا صم وبكم في الظلمات في الآخرة ؛ لأجل تكذيبهم في الدنيا، واستدل بأن الله قال : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا [ الإسراء : آية ٩٧ ] وذكر بأنهم في الظلمات، بدليل قوله : انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [ الحديد : آية ١٣ ].
والقول الأول هو الذي عليه الجمهور.
ثم قال : من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [ الأنعام : آية ٣٩ ].
قد بينا فيما مضى أن فعل المشيئة إذا قرن بأداة شرط حذف مفعوله باتفاق ؛ لأن جزاء الشرط يكفي عنه. وتقرير المعنى :( من يشأ الله إضلاله يضلله، ومن يشأ جعله على صراط مستقيم يجعله على صراط مستقيم ).
وهذه الآية الكريمة تدل على رد مذهب القدرية ردا واضحا لا شك فيه ؛ لأنه بين أن الضلال بمشيئته، والهدى بمشيئته، فلا يقع في الكون تحريكة ولا تسكينة إلا بمشيئته جل و

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير