ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون [ الأنعام : الآيتان ٤٠، ٤١ ].
هذه الآية الكريمة عاب الله فيها الكفار بسخافة العقول، وأنهم إذا نزلت بهم شدة من عظائم الشدد أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء إلى الله، وتركوا دعاء غير الله ؛ لعلمهم بأنه لا ينفع ولا يضر، فإذا نجاهم الله من تلك الكربة، وأمنوا : رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله. وهذه سخافة عقول ؛ لأنهم في وقت الشدائد يخلصون إلى الله، ثم إذا كان في غير ذلك الوقت رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ! ! وهذا ذم من الله للكفار، ذمهم به في آيات كثيرة من الكتابة ؛ ذلك أن الإنسان إذا نزلت به عظيمة من عظائم الشدة – في الدنيا – والأهوال، فإن الالتجاء في ذلك الوقت إلى من ينقذه. هذا من خصوص خالق الكون ( جل وعلا )، هذا أمر من خصائص الله، ليس فيه شرك لأحد. فالله ( جل وعلا ) إذا نزلت بالناس الشدد، والبلايا، والفظائع العظام فملجؤهم الذي يلجؤون إليه هو خالقهم ( جل وعلا ). وسيدهم في ذلك وقائدهم فيه : هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل به المكروه والشدائد أخلص الالتجاء في ذلك الوقت لمن له ذلك الحق الخالص، كما قال تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم [ الأنفال : آية ٩ ].
وهذا المستغيث هو محمد صلى الله عليه وسلم يلتجىء إلى الله عند الشدة ليشرع ذلك [ لأمته ]، ويبين لهم أن هذا حق ربهم الخالص له وحده.
وقد أوضح الله هذا المعنى بالسورة الكريمة – سورة النمل – حيث قال : قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى ءالله خير أما تشركون [ النمل : آية ٥٩ ] وفي القراءة الأخرى : أما يشركون الجواب : الله خير من كل شيء. ثم قال أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءلاه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون [ النمل : آية ٦١ ] ذكر في هذه الآيات خلقه البحر، والجبال، وما فعل من عظائم ربوبيته ( جل وعلا )، وهذه خصائصه وحقوقه الخاصة. ثم قال في الأثناء : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءلاه مع الله [ النمل : آية ٦٢ ] ثم قال : أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الريح نشرا بين يدي رحمته [ النمل : آية ٦٣ ] وفي القراءة الأخرى : بشرا بين يدي رحمته ثم قال : أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء [ النمل : آية ٦٤ ] هذه حقوق الله الخالصة له، فنحن معاشر المؤمنين نخلصها لله، إرضاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، واقتداء برسوله ؛ ولئلا نتعدى حدود الله، ونصرف حقوقه لغيره، والكفار يعلمون هذا، ويعلمون أن هذه حقوق الله الخالصة له، فإذا كان وقت الجد، ورأوا الشدائد، كأن يهيج عليهم البحر بأمواجه وأهواله فيظنوا الموت، عند هذا يخلصون العبادة والدعاء لله وحده، فإذا أنجاهم الله رجعوا إلى ما كانوا عليه، كما عابهم فيه في آية الأنعام هذه – التي نحن بصددها – وأمثالها في القرآن كثيرة، كقوله في سورة بني إسرائيل : وإذا مسكم الضر في البحر يعني : بمسيس الضر : إن هاجت عليهم الأمواج، وعصفت الريح، وكادت السفينة تغرق بما فيها وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون أي : غاب عنكم كل ما كنتم تدعونه واضمحل ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر وأنقذكم من ذلك الكرب في البحر أعرضتم أي : ورجعتم إلى كفركم، ثم قال : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا [ الإسراء : الآيات ٦٧ *** ٦٩ ] وقال جل وعلا : وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين في هذا الوقت لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق [ يونس : الآيتان ٢٢، ٢٣ ] وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين [ لقمان : آية ٣٢ ] فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين [ العنكبوت : آية ٦٥ ] وأمثال هذا في القرآن كثيرة جدا.
وكان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل – رضي الله عن عكرمة وأرضاه *** : كان شديد العداوة للنبي هو وأبوه، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عام ثمان من الهجرة هرب عكرمة، وركب سفينة من البحر الأحمر رائحا إلى الحبشة، فلما لججت بهم السفينة في البحر هاجت عليهم الريح، وأيقنوا بالهلاك، وطغت عليهم الأمواج، فإذا جميع من في السفينة يتنادون، وينادي بعضهم بعضا : احذروا في هذا الوقت أن تدعوا غير الله ؛ لأنه لا يخلصكم من هذا إلا الله وحده. فلما سمعهم يقولون قال : والله إن كان لا ينجي من كربات البحر إلا هو، فلا ينجي من كربات البر إلا هو، ثم قال : اللهم لك علي العهد إن أنجيتني من هذه لأضعن يدي في يد محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما، فأنجاهم الله، فرجع وأسلم، وصار من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن معشر المؤمنين، إذا نزلت بنا البلايا، كأن يهيج علينا البحر في سفينة، أو تقع أمور لا يقدر على دفعها إلا الله، فاقتداء بنبينا، وعملا بكتابنا، وتوحيدا لربنا، نعطي الله حقه الخالص، ولا نفعل كما يفعل الكفار ؛ لأن الله عاب الكفار ؛ لأنهم وقت الشدائد يخلصون العبادة لمن خلقهم، وفي وقت الرخاء يرجعون لشركهم ؛ ولذا قال جل وعلا : قل أرأيتكم [ الأنعام : آية ٤٠ ] هذه الكلمة المشهور فيها عند علماء العربية وعلماء التفسير : أنها كلمة أطلقتها العرب بهذه ( التاء ) مفتوحة، سواء كان المخاطب ذكرا أو أنثى، أو جماعة أو اثنين، إلا أن ( الكاف ) بعدها حرف خطاب يتلون بتلون المخاطبين، ككاف الخطاب في الإشارة في ( ذلكم )، و ( ذلك ) و ( ذلكن )، ومعناها عند الجمهور : أخبرني. والتحقيق : أن الكاف فيها لا محل له من الإعراب ؛ لأنه حرف خطاب ؛ وأنها كلمة وضعتها العرب بمعنى : أخبرني.
أرأيتكم أخبروني، أخبروني أيها الكفار الذين تعدلون بالله غيره، وتصرفون حقوقه لغيره، وتدعون معه غيره، أخبروني إن جاءتكم بلية من البلايا إن أتاكم عذاب الله بأن هاج عليكم البحر ورأيتم الموت عيانا أو أتتكم الساعة من بلاء عظيم وداهية عظمى، أغير الله تدعون ؟ ؟ أتدعون في ذلك الوقت غير الله من هذه الأصنام التي تعبدون دونه ؟ والمعنى : كلا لا تدعون في ذلك الوقت إلا إياه وحده، كما صرح به قوله : بل إياه تدعون [ الأنعام : آية ٤١ ]

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير