قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ٤٠ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ٤١ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ٤٢ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ٤٣ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ٤٤ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ٤٥
هذا قول مستأنف أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوجهه إلى المشركين مذكرا إياهم بما أودع في فطرتهم من توحيده عز وجل ليعلموا أن ما تقلدوه من الشرك عارض فاسد يشغل أذهانهم ومخيلاتهم في وقت الرخاء، وما يخف حمله من البلاء، حتى إذا ما نزل بهم ما لا يطاق من اللأواء، وأثار تقطع الأسباب في أنفسهم ضراعة الدعاء، دعوا الله وحده مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين [ يونس : ٢٢ ]، وضل عنهم ما كانوا يدعون من الأصنام والأوثان، وما وضعت رمزا له من ملك أو إنسان، لأن هذا دعاء القلب لا دعاء اللسان، - ذكرهم بهذا بعد تذكيرهم بالمشابهة بين أمم الناس وأمم الحيوان، وحال من فسدت قواهم الفطرية من الناس، ولذلك قفى عليه بذكر من تركوا التضرع له تعالى حين البأس، وقبل أن يحيط بهم اليأس، فابتلاهم بالسراء والنعماء، بعد البأساء والضراء، فأعقبهم بدل الشكر فرح البطر، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا جعل ابن جرير لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وجعلها الجمهور نافية، أي فهلا تضرعوا خاشعين لنا تائبين إلينا، عند ما جاءهم البئيس من عذابنا، فرأوا بوادره، وحذروا أواخره، لنكشفه عنهم، قبل أن يحيط بهم ؟ أو فما خشعوا ولا تضرعوا إذا جاءهم بأسنا. ولكن قست قلوبهم فكانت أقسى من الحجر، إذ لم تؤثر فيها النذر، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ( ٤٣ ) من الكفر والمعاصي، بما يوسوس إليهم من تحسين الثبات على ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، وتقبيح الطاعة والانقياد إلى رجل منهم لا مزية له عليهم، وقد فصلنا القول من قبل في تزيين أعمال الناس إليهم وما ينسب منها إلى الشيطان لقبحه، وما ينسب إلى الله تعالى لأنه تعبير عن خلقه وتقديره وسننه في عباده، وما يحسن إسناده إلى المجهول، فيراجع في تفسير زين للناس حب الشهوات [ آل عمران : ١٤ ] من جزء التفسير الثالث.
تفسير المنار
رشيد رضا