ثم قال : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا [ الأنعام : آية ٤٣ ] قد قدمنا بالأمس أن لفظة ( لولا ) أصلها تأتي في اللغة العربية وفي القرآن مشتركة بين معنيين، إلا أن أحد المعنيين ينقسم إلى قسمين، فتكون أقسام ( لولا ) ثلاثة في القرآن وفي كلام العرب. ( لولا ) في القرآن إذن ترد على ثلاثة أقسام، بثلاثة معان معروفة :
الأول : هي ( لولا ) المعروفة عند العلماء بأنها حرف امتناع لوجود، والمعنى : أنها تدل على امتناع شيء لوجود شيء نحو : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [ النور : آية ٢١ ] يعني : أنه هنا انتفى عدم الزكاة والطهارة لوجود فضل الله. وهذا معروف مشهور.
الثاني : هو ( لولا ) التحضيضية. ومعنى ( لولا ) التحضيضية : أن ( لولا ) حرف يدل على طلب الفعل بحث وحض ؛ ولذا سميت حرف تحضيض. وهذه هي التي تنقسم قسمين ؛ لأن لها حالتين : تارة يكون الفعل المطلوب فيها بحرف التخصيص – الذي هو ( لولا ) – تارة يكون ممكنا تداركه ممكنا فعله، وتارة يكون ذلك الفعل لم يبق فعله ممكنا ؛ لأن فرصته ضاعت ومضت، ولم يمكن تداركه. وإذا كان فعله ممكنا فهب المعروفة بالتحضيضية نحو : من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني [ المنافقون : آية ١٠ ] ( لولا ) هنا معناه : أطلب منك يا رب بطلب شديد محضض عليه، بحث وحض أن تؤخرني إلى أجل قريب فأصدق... الآية.
النوع الثاني : ومنه الآية بين أيدينا – هي أن يكون الفعل المطلوب بأداة الطلب التي هي حرف التحضيض – أعني ( لولا ) التحضيضية – يكون الفعل فات تداركه ولم يبق ممكنا أبدا. فهي في هذا المعنى ينقلب تحضيضها إلى التوبيخ والتنديم، تارة يوبخ بها موجود، كقوله للذين تكلموا في عائشة وصفوان : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [ النور : آية ١٦ ] هذا العمل المطلوب ب ( لولا ) ضاعت فرصته عليهم ؛ لأنهم قد تكلموا بما لا يليق، فهي في هذا المعنى ينقلب تحضيضها إلى التوبيخ والتنديم. فكأنه يوبخهم ويندمهم على ما فرط منهم. وتارة يكون الموبخ بها قد مات ولم يكن موجودا، كقوله في هذه الآية الكريمة : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا [ الأنعام : آية ٤٣ ] لأن وقت نزول الآية هؤلاء الأمم قد ماتوا وانقضوا في أزمان متناهية، قد مضوا في الزمان الماضي، فلا يمكن حصول الفعل منهم، وليسوا موجودين حتى يسمعوا التوبيخ. ولكن المقصود من توبيخ هذا الذي غاب ومات ليعتبر به غيره، فيعلم بأن قصص القرآن إنما قصت علينا لنعتبر بها لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب [ يوسف : آية ١١١ ] ولذا كان من الحسن أن يوبخ أولئك لنعتبر بتوبيخهم فنجتنب ذلك الأمر الذي استحقوا التوبيخ من أجله، هذا معناه ؛ ومن هذا المعنى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية [ هود : آية ١٦ ] لأن القرون مضت، فهو توبيخ لغائبين، وتنديم لهم ؛ ليعتبر به المخاطبون ؛ ولذا قال : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا [ الأنعام : آية ٤٣ ] كان المطلوب منهم وقت وجودهم – بحث وشدة – أن يتضرعوا، واختبرهم الله بالبأساء أن يتضرعوا.
ويفهم من الآية أن المسلم إذا ابتلاه ربه بمصائب الدنيا، من أمراض، أو مصائب في الأموال، أو جوع، أو نحو ذلك : أن عليه أن يتضرع إلى ربه ( جل وعلا ) ليزيل عنه ذلك ؛ لأنه وبخ هؤلاء وذمهم على عدم التضرع إليه عند نزول الشدائد بهم، وهذا معنى قوله : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ثم قال : ولكنهم لم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم لأن القلوب القاسية تشتد كما تشتد الحجارة، فكما أن الحجر الصلب القوي إذا أردت أن تدخل في جوفه ماء لا يدخل، فكذلك قلب الكافر لصلابته وقسوته إذا أردت أن تدخل فيه الموعظة والفهم عن الله لا يدخل ؛ لشدة قسوة القلب – والعياذ بالله ***.
وقوله : ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون اعلم أن الشيطان في لغة العرب يطلق على كل عات متمرد كائنا ما كان. فكل عات متمرد فهو ( شيطان ) في لغة العرب التي نزل بها القرآن، سواء كان من الإنس، أو من الجن، أو من غيرهما. إلا أن ( الشيطان ) كان بالحقيقة العرفية يسبق إلى إبليس وذرية إبليس. أما في الوضع اللغوي فكل متمرد عات تسميه العرب ( شيطانا )، سواء كان من الإنس، أو من الجن، أو من غيرهما، ومن إطلاق ( الشيطان ) على المتمرد العاتي من بني آدم قوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم [ البقرة : آية ١٤ ] أي : عتاتهم المتمردين من رؤساء الكفرة، وقوله تعالى : شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [ الأنعام : آية ١١٢ ] وقد جاء حديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن من الإنس شياطين. وكل عات متمرد من الإنس فهو ( شيطان )، كما دل عليه : وإذا خلوا إلى شياطينهم شياطين الإنس والجن ومنه بهذا المعنى قول جرير – وهو عربي قح – قال :
أيام يدعونني الشيطان من غزل *** وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
ومن إطلاق ( الشيطان ) على غير الإنس والجن حديث : " الكلب الأسود شيطان ". وما جرى مجرى ذلك. هذا إطلاق ( الشيطان ) في لغة العرب، وهو حقيقة عرفية في إبليس وذريته ؛ لأن ذرية إبليس شياطين، يفعلون كما يفعل، كما يأتي في قوله : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [ الكهف : آية ٥٠ ].
واعلم أن المادة التي اشتق منها ( الشيطان ) اختلف فيها علماء العربية على قولين، أشار لكل واحد منهما الشيخ عمروا – أعني سيبويه – في كتابه. وباختلاف القولين يختلف وزن ( الشيطان ) بالميزان الصرفي، فجماعة من العلماء – وهو أصح القولين – قالوا : إن مادة ( الشيطان ) أصلها من ( شطن )، ففاء المادة شين، وعينها طاء، ولامها نون، ( شطن ). ومعنى هذه المادة في لغة العرب معناها : البعد، فكل شيء شطن فهو بعيد جدا. وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
نأت بسعاد عنك نوى شطون *** فبانت والفؤاد بها حزين
" نوى شطون " أي : بعيدة. ومما يدل على أن ( الشيطان ) أصله من ( شطن ) قول أمية بن أبي الصلت الثقفي – وهو عربي قح – يمدح سليمان بن داود ( عليهما الصلاة والسلام وعلى نبينا )، قال في مدحه :
أي شاطن عصاه عكاه *** ثم يلقى في السجن والأكبال
عبر عن ( الشياطين ) بالشاطن، والشاطن : اسم فاعل ( شطن ) بلا خلاف، وهذا مما يؤيد أن مادة ( الشيطان ) من ( شطن ) بمعنى بعد. ومناسبتها للتسمية هي بعده عن رحمة الله – والعياذ بالله ( جل وعلا ) – وعلى هذا القول أن ( الشيطان ) من مادة ( شطن ) فوزنه بالميزان الصرفي ( فيعال ).
القول الثاني : أن ( الشيطان ) أصله من مادة ( شاط يشيط ) إذا هلك، والعرب تقول :( شاط يشيط ) إذا هلك، وعليه فإنما سمي شيطانا لهلاكه – والعياذ بالله – لأنه هالك مخلد يوم القيامة في عذاب الله. والعرب تقول :( شاط يشيط ). إذا هلك، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
قد نخضب العير من مكنون فائله *** وقد يشيط على أرماحنا البطل
يعني بقوله :( يشيط ) أي : يموت ويهلك. وعلى هذا فوزن ( الشيطان ) بالميزان الصرفي :( فعلان ) فعلى أنه من ( شاط ) فوزنه :( فعلان )، وعلى أنه من ( شطن ) فوزنه :( فيعال )، هذا وزنه بالميزان الصرفي، واختلاف العلماء في اشتقاقه ومعناه.
والمراد بالشيطان هنا : جنس الشيطان، وهو إبليس وذريته، والعياذ بالله من تضليلهم.
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون الشيطان يزين للكفرة والعصاة أعمالهم الخبيثة، وذلك التزيين إنما هو بالوسوسة، يوسوس لهم، وينفث في قلوبهم ما يزين لهم به المعاصي والكفر – والعياذ بالله – وهذا معنى قوله : وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون .
فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [ الأنعام : آية ٤٤ ].
فلما نسوا ما ذكروا به النسيان هنا معناه : الترك عمدا.
وقد بينا أن مادة ( النسيان ) تطلق في القرآن وفي اللغة العربية إطلاقين :
يطلق ( النسيان ) على ترك الفعل عمدا نحو قوله : نسوا الله فأنساهم أنفسهم [ الحشر : آية ١٩ ] وكقوله : إنا نسيناكم [ السجدة : آية ١٤ ] والله لا ينسى أبدا النسيان الذي هو زوال العلم ؛ لأن الله يقول : لا يضل ربي ولا ينسى [ طه : آية ٥٢ ] ويقول : وما كان ربك نسيا [ مريم : آية ٦٤ ] فهذا الاصطلاح تقول العرب : " أمرت زيدا فنسي أمري ". يعنون تركه عمدا.
الثاني : هو ( النسيان ) بمعنى زوال العلم. كالنسيان الاصطلاحي المعروف. ومنه قوله : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان [ الكهف : آية ٦٣ ] وقوله : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى [ الأنعام : آية ٦٨ ] استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله [ المجادلة : آية ١٩ ] هذا ( النسيان ) بمعنى زوال العلم، والمراد في الآية : النسيان بمعنى الترك عمدا، وهو قوله : فلما نسوا [ الأنعام : آية ٤٤ ] أي : تركوا عمدا ما ذكروا به ما ذكرهم الله به من البأساء والضراء، فلم يتضرعوا في حالة الضر، ولم يشركوا في حالة النعيم ؛ لأن الله بين أن الكافر عند حالة النعماء أنه فخور أشر بطر، وعند حالة الضراء يؤوس قنوط، لا يدعو الله، ولا يضرع إليه، كما قال : ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور [ هود : الآيتان ٩ *** ١٠ ] هو فخور فرح أشر بطر وقت العافية، يؤوس قنوط وقت الشدة. وهذا قد استثنى الله منه عباده المؤمنين، حيث قال في سورة هود، لما ذكر هذه الصفات الذميمة عن الإنسان، استثنى منها المؤمنين الطيبين، قال : إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير [ هود : آية ١١ ] وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن المؤمن الطيب مخالف لهذه الصفات الخبيثة حيث قال صلى اله عليه وسلم : " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس هذا إلا المؤمن ". المؤمن عندما يأتيه البأساء والضراء يضرع إلى رب العالمين صابرا محتسبا فيثيبه الله، ويعظم له الأجور، وإذا كان وقت السراء، وأنعم الله عليه، كان شاكرا نعم الله، مراعيا بذلك حقوق الله ( جل وعلا )، ويكون ذلك خيرا له. وهذا أيضا خير له، كما في الحديث الصحيح.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير