ثم نهى عن سلوك هذا السبيل –أعني سبيل المجرمين- فقال :
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : قل يا محمد : إني نُهيتُ أي : نهاني ربي أن أعبدَ الذين تدعُون أي : تعبدون من دون الله ، أو ما تدعونها آلهة ؛ أي : تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، قل لهم : لا أتبع أهواءكم الفاسدة وعقائدكم الزائغة، قد ضللتُ عن الحق إذًا أي : إذا اتبعت أهواءكم، وما أنا من المهتدين أي : ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها.
كَانَت لِقَلبيَ أهوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ فَاستَجمَعَت مُذ رأتكَ العَينُ أهوائِي فَصَارَ يَحسُدُنِي مَن كُنتُ أحسُدُهُ وَصِرتُ مَولَى الوَرَى مُذ صِرت مَولائِي تَرَكتُ لِلنَّاسِ دنياهم ودِينَهُم شُغلاً بِذِكرك يَا دِينِي ودُنيَائِي
وقال آخر :
قل إني على بينة من ربي أي : بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذَّبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، إن الحكم إلا لله ، يقضي القضاء الحق، فيُظهر ما يشاء، ويُخفي مَن يشاء، وهو خير الفاصلين أي : الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به ؛ من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقٌضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. تَركتُ للنَّاسِ، ما تَهوَى نُفوسُهم مِن حُبِّ دُنيا ومن عزِّ ومن جَاهِ كذَاكَ تَركُ المقَامَات هُذَا وَهُنَا والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللهِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي