يقول الله جل وعلا : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين [ الأنعام : آية ٥٦ ].
كان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اعبد معنا آلهتنا مرة، ونعبد معك إلهك مرة أخرى ! ! فأمر الله نبيه أن يقول لهم : إنه لا يعبد ما يدعون من دون الله، قل لهم يا نبي الله : إني نهيت أي : نهاني ربي أن أعبد الذين تدعون من دون الله والمعنى : نهاني أن أعبد الأصنام التي تعبدون من دون الله، والمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في قوله : أن أعبد الذين تدعون من دون الله مجرور بحرف محذوف ؛ لأن ( نهى ) تتعدى ب ( عن ) تقول : " نهاني ربي عن كذا ". كما تقدم في قوله : وهم ينهون عنه [ الأنعام : آية ٢٦ ] لأن ( نهى ) تتعدى ب( عن )، والمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها يطرد جره بحرف الجر المحذوف، كما هو معروف، وتقرير المعنى : نهاني ربي عن أن أعبد الذين. وسبك المصدر : نهاني ربي عن عبادة الذين تدعون من دون الله، وهذا نهي عظيم، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعبد شيئا من دون الله ؛ إلا أن الله يأمره وينهاه ليشرع على لسانه لأمته.
إذا عرفتم أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في قوله : أن أعبد الذين مجرور ب ( عن ) محذوفة، فاعلموا أن علماء العربية مختلفون في المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها المجرور بحرف محذوف، هل محله الجر أو محله النصب ؟ وفائدة هذا الخلاف تظهر فيما لو عطفت عليه اسما خالصا، فعلى أن محله النصب ينصب المعطوف بعده، وعلى أن محله الخفض يخفض المعطوف عليه، وكبراء النحويين – منهم الخليل والكسائي فمن حاذاهم – يقولون : إن محله النصب، وخالفهم في هذا الأخفش الصغير – علي بن سليمان النحوي المشهور – قال : محله الخفض ؛ لأنه مخفوض بالحرف المحذوف. قال : والدليل على ذلك أنا وجدنا في كلام العرب الفصحاء خفض المعطوف عليه، كقول الشاعر :
| وما زرت ليلى أن تكون حبيبة | إلي ولا دين بها أنا طالبه |
بدا لي أني لست مدرك ما مضى***ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
فإن الرواية بنصب ( مدرك )، وخفض ( سابق ) ؛ لأن " لست مدرك ما مضى " يجوز جره بالباء، فتوهموا أنها مجرورة من جواز دخول الباء عليها، فعطف عليها بالجر، ونظيره قول الآخر :
| مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة | ولا ناعب إلا ببين غرابها |
وقوله جل وعلا : نهيت أن أعبد الذين أي : نهاني ربي عن عبادة الأوثان، والأصنام، والمعبودات التي تعبدونها من دون الله ؛ لأن الله يقول لنبيه في هذا المنوال : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله أي بل الله وحده فاعبد وكن من الشاكرين [ الزمر : الآيتان ٦٥، ٦٦ ]. هذا معنى قوله : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون أي : تعبدون من دون الله ( جل وعلا ) من جميع أنواع العبادات، قل لهم يا نبي الله : لا أتبع أهواءكم الأهواء : جمع ( هوى )، بفتحتين، و ( الهوى ) : ميل النفس، وأكثر ما يطلق في الشرع : إلى ميلها إلى ما [ لا ] ( زيادة يقتضيها السياق ) ينبغي. و ( الهوى ) : هو ميل النفس إلى ما لا ينبغي هنا. ف أهواءكم يعني : مهوياتكم التي تميل إليها نفوسكم باتباع الهوى والباطل، كما قال : أفرءيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية : آية ٢٣ ] وهمزة ( الأهواء ) مبدلة من ( ياء )، على القياس المعروف : أن كل واو أو ياء تطرفت بعد ألف زائدة وجب إبدالها همزة. وأصل الهوى :( هوي ) بفتحتين. والمادة مما يسميه علماء الصرف : اللفيف المقرون. عينها واو، ولا مها ياء، قلبت الياء في محل اللام ألفا، فقيل لها : " هوى " وأبدلت عند التكسير همزة، كما هو معروف في فن الصرف، والمعنى : لا أتبع أهواءكم الباطلة في عبادة الأصنام والإشراك بالله ( جل وعلا ) ؛ لأني لا أتبع الهوى، ولا أتبع إلا الحق، كما يأتي في كونه على بينة من ربه. وهذا من جملة ما أمره ربه أن يقول.
قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قرىء بإدغام الدال في الضاد قد ضللت إذا وقرأه بعض السبعة بالإظهار قد ضللت إذا . إذا معناه : إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت ولم أكن من المهتدين. والمعنى : لا أضل، ولا أخرج عن طريق الهدى، ولا أتبع أهواءكم أبدا.
وهذه الآية تدل على أن من اتبع هواه بغير علم ولا دليل أنه ضال، وأنه ليس من المهتدين.
***
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير