* وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ٥٩ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ٦٠ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ٦١ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ٦٢
لما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلغهم إياه من رسالته، وأن ما يستعجلون به من عذاب الله ونصره عليهم تعجيزا أو تهكما أو عنادا ليس عنده، وإنما هو عند الله الذي قضت سنته أن يكون لكل شيء أجل وموعد لا يتقدم ولا يتأخر عنه، وأنه تعالى هو الذي يقضي الحق ويقصه على رسوله، وبيده تنفيذ وعده ووعيده – قفى على ذلك ببيان كون مفاتح الغيب عنده، وكون التصرف في الخلق بيده وكونه هو القاهر فوق عباده، لا يشاركه أحد من رسله ولا غيرهم في ذلك حتى يصح أن يطالبوا به، فقال عز وجل :
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن وبكسرها وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال وقرئ في الشواذ « مفاتيح الغيب » ويؤيد هذه القراءة حديث ابن عمر الآتي في تفسير الآية. ويجوز استعمال اللفظ في معنييه أي أن خزائن الغيب وهو ما غاب علمه عن الخلق هي عند الله تعالى وفي تصرفه وحده، وأن المفاتيح أي الوسائل التي يتوصل بها إلى علم الغيب هي عنده أيضا لا يعلمها علما ذاتيا إلا هو، الذي يحيط بها علما وسواه جاهل بذاته لا يمكن أن يحيط علما بها ولا أن يعلم شيئا منها إلا بإعلامه عز وجل. وإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يفوض إليه إنجاز وعده لرسوله بالنصر، ووعيده لأعدائه بالعذاب والقهر، مع القطع بأنه لا يخلف وعده رسله، وإنما إنجازه إلى الأجل الذي اقتضته حكمته، وقد تقدم في تفسير هذه السورة بيان حقيقة الغيب واستئثار الله تعالى بعلمه وما يعلمه بعض خلقه من الحقيقي أو الإضافي منه وسنزيد ذلك بيانا.
ويعلم ما في البر والبحر قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع للماء الكثير. وقيل إن أصله الماء الملح وأطلق على الأنهار بالتوسع أو التغليب. والبر ما يقابله من الأرض، وهو ما يسميه علماء خرت الأرض باليابسة. وعلمه تعالى بما في البر والبحر من علم الشهادة المقابل لعلم الغيب، على أن أكثر ما في خفايا البر والبحر، غائب عن علم أكثر الخلق، وإن كان في نفسه موجودا يمكن أن يعلمه الباحث منهم عنه، وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأدنى إلى ما هو أعظم منه فإن قسم البحر من الأرض أعظم من قسم البر وخفاياه أكثر وأعظم.
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها أي وما تسقط ورقة ما من نجم أو شجر ما إلا يعلمها، لإحاطة علمه بالجزئيات كلها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ( ٥٩ ) أي وما تسقط من حبة بفعل فاعل مختار في ظلمات الأرض كالحب الذي يلقيه الزراع في بطون الأرض يسترونه بالتراب فيحتجب عن نور النهار والذي تذهب به النمل وغيرها من الحشرات في قراها وجحورها، أو بغير فعل فاعل كالذي يسقط من النبات في شقوقها وأخاديدها، وما يسقط من رطب ولا يابس من الثمار ونحوها – إلا كائن في كتاب مبين، وهو علم الله تعالى الذي يشبه المكتوب في الصحف بثباته وعدم تغيره – أو كتابه الذي كتب فيه مقادير الخلق كما ورد في الحديث الصحيح وسيأتي ذكره ؛ وهو بمعنى قوله فيما قبله « إلا يعلمها » ولذلك قيل إنه تكرير له بالمعنى، وقيل بدل كل أو بدل اشتمال منه.
فإن قيل ما حكمة تخصيص هذه الأشياء بالذكر ؟ قلنا إن المعلوم – أو ما يتعلق به العلم – إما موجود وإما معدوم، والموجود إما حاضر مشهود، وإما غائب في حكم المفقود، وليس في الوجود شيء غائب عن الله تعالى، فعلمه تعالى بالأشياء إما علم غيب وهو علمه بالمعدوم، وإما علم شهادة وهو علمه بالموجود، وأما أهل العلم من الخلق فمن الموجودات ما هو حاضر مشهود لديهم، ومنها ما هو حاضر غير مشهود لأنه لم يخلق لهم آلة للعلم به كعالم الجن والملائكة مع الإنس، ومنها ما هو غائب عن شهودهم وهم مستعدون لإدراكه لو كان حاضرا، وما هو غائب وهم غير مستعدين لإدراكه لو حضر، فكل ما خلقوا غير مستعدين لإدراكه من موجود ومعدوم فهو غيب حقيقي بالنسبة إليهم، وكل ما خلقوا مستعدين لإدراكه دائما أو في بعض الأحوال فهو إن غاب عنهم إضافي.
وقد بين الله تعالى لنا في هذه الآية أن خزائن علم الغيب كلها عنده وعنده مفاتيحها وأسبابها الموصلة إليها، وأن عنده من علم الشهادة ما ليس عند غيره، وذكر على سبيل المثل علمه بكل ما في البر والبحر من ظاهر وخفي، ثم خص بالذكر ثلاثة أشياء مما في البر – إحاطة علمه بكل ورقة تسقط من نبتة وكل حبة تسقط في ظلمات الأرض وكل رطب ويابس، فأما الورق الذي يسقط فهو ما كان رطبا من النبات فأشرف على اليبس وفقد الحياة النباتية والتحق بمواد الأرض الميتة وقد يتغذى به حيوان بعد يبسه أو قبله أو يتحلل في الأرض بعد سقوطه ويتغذى به نبات آخر فيدخل في عالم الأحياء بطور آخر، وأما الحب فهو أصل تكوين النبات الحي يسقط في ظلمات الأرض فمنه ما ينبت ويكون نجما أو شجرا، ومنه ما يتغذى به بعض الأحياء من الحيوان كالطير والحشرات فيدخل في بنيتها كما قلنا فيما قبله، وأما ذكر الرطب واليابس فهو تعميم بعد تخصيص في هذا الباب – فهذه الأشياء من عالم الشهادة تدخل في عالم الغيب ثم تبرز في عالم الشهادة. وعلم الله تعالى محيط بكل شيء منها على كثرتها ودقة بعضها وصغره وتنقله في أطوار الخلق والتكوين وما يتبعها من الصور والمظاهر، وحسبك هذا الإيمان من حكمة تخصيصها بالذكر.
وفي هذه الآية مباحث لعلماء الآثار، وجولات للنظار، نذكر المهم منها في فصول :
فهم علماء الكلام والحكماء للآية
قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير الذي سماه ( مفاتح الغيب ) ما نصه :« اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى والله أعلم بالظالمين يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يجعل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخير أصلح وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المفاتيح جمع مفتح ومفتح والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح قال الفراء في قوله تعالى : ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة [ القصص : ٧٦ ] يعني خزائنه فلفظ المفتاح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن. أما على التقدير الأول فقد جعل للغيب على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرئ مفاتيح. وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب، فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة علي كل الممكنات كما في قوله : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم [ الحجر : ٢١ ].
« وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم المعلول، وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة، قالوا وإذا ثبت هذا فيقول الموجود إما أن يكون واجبا لذاته وإما أن يكون ممكنا لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى وكل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته، وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه، إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا، إذا ثبت هذا فنقول علمه بذاته يوجب علمه بالأثر الأول الصادر منه، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب علمه بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني، وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة.
« ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى وهي أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحسن والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا، والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلية تحت القضية العقلية الكلية، ليصير ذلك المعقول لمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون لأنه قال أولا وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال : ويعلم ما في البر والبحر وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر والبحر والحس والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة ذلك المعقول.
وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى قدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن. وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو فيصير هذا المثال المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله : وعنده مفاتح الغيب بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، ثم يستحضر كم فيها من النجم والشجر، ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها.
ثم يتجاوز من هذا إلى مثال آخر أشد هيبة وهو قوله : ولا حبة في ظلمات الأرض وذلك لأن الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض مواضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفيا فيها، فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج من علم الله تعالى البتة صارت هذه الأ
تفسير المنار
رشيد رضا