يقول الله جل وعلا : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [ الأنعام : آية ٥٩ ].
ذكر بعض أهل العلم أن سبب نزول هذه الآية الكريمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه بدوي فقال له : إني تركت امرأتي حبلى، وتركت قومي في جدب، فأخبرني عما في بطن امرأتي : أذكرا هو أم أنثى ؟ وأخبرني عن الوقت الذي يأتي فيه الغيث لقومي فإنهم مجدبون. ثم قال له : ولقد عرفت الوقت الذي ولدت فيه، فأخبرني عن الوقت الذي أموت فيه. فأنزل الله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .
ومفاتح الغيب المذكورة في هذه الآية هي المذكورة في أخريات سورة لقمان في قوله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب إذا وما تدري نفس بأي أرض تموت [ لقمان : آية ٣٤ ]. وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لمفاتح الغيب هنا بأنها الخمس المذكورة في قوله : إن الله عنده علم الساعة إلى آخرها، ثبت في الصحيح عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر، وجاء بأسانيد لا بأس عليها عن /قوم آخرين من الصحابة، منهم بريدة، وابن مسعود، وابن عباس، وصحابي من بني عامر : أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر مفاتح الغيب المذكورة هنا بأنها المذكورة في قوله : إن الله عنده علم الساعة ؛ لأن هذه الخمس أمهات عظيمة لها أهميتها من أمهات علم الغيب، ففسر النبي بها هذه الآية ؛ لأن الساعة هي أفظع أمر وأهم أمر يوجد، ليس علمها إلا عند الله وحده، كما قال : لا يجليها لوقتها إلا هو [ الأعراف : آية ١٨٧ ] يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها [ النازعات : الآيات ٤٢ ٤٤ ] ولما سأله جبريل في حديثه المشهور عن الساعة. قال له : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وبين له شيئا من أماراتها.
هذه هي مفاتح الغيب، فالوقت الذي تقوم فيه الساعة لا يعلمه إلا الله وحده ( جل وعلا )، ولا يعلمه أحد لا يجليها لوقتها إلا هو [ الأعراف : آية ١٨٧ ] وينزل الغيث الوقت الذي ينزل فيه المطر لا يعلمه إلا الله وحده ويعلم ما في الأرحام الذي هو في رحم أمه لا يعلم حقيقته إلا الله، أذكر هو أم أنثى ؟ قبيح أو جميل ؟ شقي أو سعيد ؟ لا يدري الإنسان ماذا يكسب غدا. والمراد ب( ما يكسب غدا ) : من خير أو شر، ما يكسب من الحسنات التي تقربه لله، وما يكسب من السيئات التي تبعده عن الله ( جل وعلا )، ويدخل في ذلك : ما يكسبه من مال ونحوه ؛ لأن الله قد يغنيه من حيث لا يشعر، وقد يفقره من حيث لا يشعر ؛ لأن الله بيده كل شيء وما تدري نفس بأي أرض تموت لا يعرف الإنسان المحل الذي فيه قبره، وإن كان ساكنا في محل وإذا كتب الله أجله في محل لا بد أن تكون له حاجة إلى ذلك المحل، فيذهب إليه ليدركه أجله فيه، وينفذ قضاء الله كما سبق في علمه الأزلي، وجاء بذلك حديث عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله إذا كتب أن يموت رجل في محل، لا بد أن يجعل له حاجة إلى ذلك المحل حتى يذهب إليه ويدركه أجله فيه. هذه مفاتح الغيب الخمس التي بين النبي أنها معنى هذه الآية، وخير التفسير تفسيره صلى الله عليه وسلم.
وقد بين ( جل وعلا ) في آية عامة أن الغيب كله لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون [ النمل : آية ٦٥ ] وقد بينا فيما مضى أمثلة لمصداق هذه الآيات، وبينا أن أعظم الخلق : الملائكة، والرسل، والملائكة لما قال لهم الله : أنبئوني بأسماء هؤلاء ؟ أجابوا بأن قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [ البقرة : آية ٣٢ ] وقوله : لا علم لنا النكرة فيه مبنية مع ( لا ) والنكرة لا تبنى على الفتح مع ( لا ) إلا التي هي لنفي الجنس. فمعنى الآية : أنهم نفوا جنس العلم من أصله عن أنفسهم إلا شيئا علمهم الله إياه. وهؤلاء الرسل الكرام ( عليهم صلوات الله وسلامه ) مع ما أعطاهم الله من العلم والمكانة يقولون : إنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله. هذا سيدهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم قد بينا أن الله أمره قال : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي [ الأنعام : آية ٥ ] وأمره أيضا في سورة الأعراف أن يقول : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء [ الأعراف : آية ١٨٨ ] وقد قال في أخريات أيام حياته صلوات الله وسلامه عليه : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ". كما هو معروف. وقد بينا أن نبي الله نوحا ذكر الله عنه في سورة هود : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا [ هود : آية ٣١ ] وقد بينا أمثلة من هذا، فهذا سيد ولد آدم على الإطلاق، وأفضل الرسل، وأعلم الناس ( صلوات الله وسلامه عليه )، رميت أحب أزواجه بأعظم فرية، أم المؤمنين عائشة، لما رموها بصفوان بن المعطل في غزوة بني المصطلق، كما قص الله القصة موضحة في سورة النور، كان ( صلوات الله وسلامه عليه ) مع ما آتاه الله من العلم والمكانة العظيمة لا يدري أحق ما قالوا عن زوجته أم كذب، وكان يقول : " كيف تيكم ؟ " وفقدت منه العطف الذي كانت تجده إذا مرضت، وكان يقول لها غير دار بالحقيقة : " يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ". ولم يعلم بالحقيقة حتى أخبره عالم الغيب والشهادة إن الذين جاءو بالإفك [ النور : آية ١١ ] فسماه : إفكا، ثم قال في آخر الآيات : أولئك مبرءون مما يقولون [ النور : آية ٢٦ ] فلم يعلم الحقيقة إلا بعد أن علمه الله إياها. ولما نزلت عليه آيات براءتها في بيت أبي بكر، وسري عنه وهو يبتسم، وقال : " أما أنت يا عائشة فقد برأك الله ". فقالت لها أمها أم رومان : " قومي إليه فاحمديه ". قالت لها : " والله لا أحمده، ولا أحمد اليوم إلا الله ؛ لأنه لم يبرئني، وإنما برأني الله ".
وهذا نبي الله إبراهيم، وهو هو، ذبح عجله، وتعب هو وامرأته بإنضاج العجل وحمله، كما قال الله : فما لبث أن جاء بعجل حنيذ [ هود : آية ٦٩ ] ولم يدر أن الذين ينضج لهم عجله أنهم ملائكة كرام لا يأكلون ! ولأجل عدم علمه بذلك لما لم يأكلوا خاف منهم فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة [ هود : آية ٧٠ ] وما هذا إلا لأنه لا يعلم بحقيقتهم، وما درى عن الأمر حتى أخبروه ! سألهم : فما خطبكم أيها المرسلون ؟. [ الحجر : آية ٥٧ ] قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط [ هود : آية ٧٠ ] ولما ارتحلوا من عنده، ونزلوا على نبي الله لوط، وكانوا في صفة شباب مرد حسنة ثيابهم، حسنة ريحهم، خاف عليهم أن يفعل بهم قومه فاحشة اللواط، فحزن أشد الحزن ؛ ولذا قال تعالى عنه : ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب [ هود : آية ٧٧ ] وما سبب مساءته بهم وضيقه ذرعا بهم – كقوله : إن ذلك يوم عصيب – إلا لعدم علمه بحقيقة الواقع، حتى قال ذلك الكلام المؤسف المحزن : لو أن لي بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد [ هود : آية ٨٠ ] ولم يعلم بحقيقة الأمر حتى أخبروه، وقالوا له : يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل الآيات [ هود : آية ٨١ ]. وقال المفسرون : عند ذلك نشر جبريل أجنحته عليه وشاحه، وضرب أوجههم بريشة من جناحه، فتركها ليس فيها محل العيون، لا أثر فيها للعيون، كأن وجوههم لم تكن بها عيون أصلا ! ! كما أشار الله إلى ذلك في سورة القمر بقوله في قصة لوط، والملائكة، وقوم لوط : ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم والعياذ بالله فذوقوا عذابي ونذر [ القمر : آية ٣٧ ]. وهذا نبي الله يعقوب قال الله فيه : وإنه لذو علم لما علمناه [ يوسف : آية ٦٨ ] مدحه الله بالعلم الذي علمه، ومع هذا فولده يوسف كان في مصر، ما بينه وبينه ثمان مراحل، لا يعلم عن أمره شيئا وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [ يوسف : آية ٨٤ ] يقول لأولاده : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله [ يوسف : آية ٨٧ ] يطلب من أولاده التحسس ليعثروا له على خبر، وهو لا يدري عنه حقيقة حتى جاء البشير بالقميص، كما هو مبين في سورة [ يوسف ] في الأصل :( هود ). وهو سبق لسان. ).
وهذا نبي الله نوح، وهو هو، لما قال له ربه : فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك [ المؤمنون : آية ٢٧ ] ظن أن ولده الفاجر أنه من أهله، ولم يدر أنه ليس من أهله حتى قال : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين [ هود : آية ٤٥ ] ولم يعلم بحقيقة الأمر حتى قال له عالم الغيب والشهادة يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [ هود : آية ٤٦ ] كان جوابه أن قال : رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [ هود : آية ٤٧ ]. وهذا نبي الله سليمان أعطاه الله الريح، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له مردة الشياطين مع قدرتهم على الطيران في آفاق الأرض، ما كان يدري عن قصة (... ) ( في هذا الموضع كلمة غير واضحة. ولعلها : " أهل مأرب " والكلام مستقيم بدونها ) بلقيس وجماعتها حتى جاءه الهدهد الضعيف المسكين، وكان قد خرج بغير إذن، وكان نبي الله سليمان يتهدده ويتوعده على الخروج بلا إذن، كما قص الله في سورة النمل : وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين [ النمل : الآيتان : ٢٠، ٢١ ] فعلم من تاريخ اليمن، ومن جغرافية اليمن، ما لم يعلمه سليمان ( عليه السلام ) ! ! وهذا العلم الضئيل البسيط – علم تاريخ وجغرافية – أعطى هذا الضعيف قوة، وكان له سلاحا، وقواه على سليمان، حيث كان هو يعلم شيئا يجهله سليمان ؛ ولذا قام غير مبال بالوعيد، مع أن سليمان ملك نبي، له هيبة الملك، وهيبة النبوة، ومع هذا وقف ذلك الهدهد بين يديه وقفة البطل غير مكترث بالوعيد، وإنما قواه أنه علم شيئا من جغرافية اليمن وتاريخهم لم يعلمه سليمان، ونسب الإحاطة إلى نفسه، ونفاها عن سليمان، وقال له : إني أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين [ النمل : آية ٢٢ ] وهذا النبأ بين فيه بعض تاريخهم، أنهم كفرة يسجدون للشمس، وأن ملكتهم امرأة، قال : إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله [ النمل : الآيتان ٢٣، ٢٤ ] وعند خبر الهدهد إياه لم يعلم أيضا حقيقة الأمر ؛ لأنه [ ما كان يعلم صدق ] ( )في الأصل كلمتان غير واضحتين، وما بين المعقوفين زيادة ينتظم بها الكلام الهدهد ؛ ولذا قال مخاطبا له : سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين [ النمل : آية ٢٧ ] ثم أرسله بكتاب، كما في هذه الآيات من سورة النمل، كل هذه الأمور من [ عدم ] ( زيادة يقتضيها السياق. ) علم الأنبياء الكرام، والملائكة الكرام هذه الأمور من الغيب كله مصداق لقوله : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [ النمل : آية ٦٥ ]
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير