ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

ويتابع الحق بعد ذلك :
فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ( ٧٧ ) .
وهنا قال إبراهيم عليه السلام : هذا ربي، ووقف العلماء هنا وتساءلوا : كيف يقول إبراهيم هذا ربي، وهي جملة خبرية من إبراهيم، كيف يجري إبراهيم على نفسه لفظ الشرك، وأراد العلماء أن يخلصوا إبراهيم من المسألة. ونقول لهؤلاء العلماء : جزاكم الله خير، وكان يجب أن تؤخذ هذه المسألة من باب قصير جدا ؛ لأن الذي قال : إن إبراهيم قال : هذا ربي، هو الذي قال في إبراهيم :
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( من الآية ١٢٤ سورة البقرة ).
إذن فقوله هذا ربي لا تخدش في وفائه الإيماني، ولابد أن لها وجها. ونعلم أن القوم كانوا يعبدون الكواكب، ويريد إبراهيم أن يلفتهم إلى فساد هذه العقيدة، فلو أن إبراهيم من أول الأمر قال لهم : يا كذابون، يا أهل الضلال، وظل يوجه لهم السباب لما اهتموا به ولا سمعوا له. لكن إبراهيم استخدام ما يسمى في الجدل ب ( مجاراة الخصم ) ؛ ليستميل آذانهم ويأخذ قلوبهم معه، وليعلموا أنه غير متحامل عليهم من أول الأمر، فيأخذ بأيديهم معه.
مثال ذلك في حياتنا، تجد رجلا له ابنة وجاء لها خطيب، وهذا الخطيب قصير جدا، بينما البنت – ما شاء الله – طويلة، حين جاء الخطيب ليراها وتراه تقول لأمها : هذا خطيبي ؟ ! وهذا القول يعني أنها تنكر أن يكون هذا القصير عنها هو خطيبها، وحين قال إبراهيم : هذا ربي معناه إنكار أن يكون مثل هذا الكوكب أو ذلك القمر أو تلك الشمس هي الرب.
ونلاحظ أنه يحدد لهم مصير من يعبد تلك الكواكب، فقال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، وفي هذا معرفة بمن على هدى أو على ضلال، ويكون قوله : هذا ربي لونا من التهكم ؛ لأنهم قالوا بما جاء به القرآن على لسانهم : أهذا الذي يذكر آلهتكم .
فكأنه قال : سلمنا جدلا أنه ربكم، لكنه يأفل ويغيب عنكم، وقوله : لا أحب الآفلين يعني أنه غير متعصب ضدهم.
وكذلك حين يقول الحق :
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( ٧٨ ) .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير